مقالات

“اسمي عليا وهذا أبي” رواية علي الشعالي نسق جديد من الكتابة المعاصرة القادرة على رصد المتغير المجتمعي

قراءة : كنانة عيسى

يقدم الكاتب والشاعر الإماراتي علي الشعالي كعادته أدبًا مختلفًا، و نسقًا روائيًا أصيًلا يناقش فيه ثيمات طازجة، ضمن أفق توقع قرائي مغاير للمألوف وخارج عن النمط، إنها معايرة أدبية بين الانهيار القيمي لعالم الكتابة والنشر والابداع وحقوق الملكية الفكرية، و عالم صناع المحتوى السريع القائم على المراوغة والتنظير التسويقي و النمذجة المعاصرة للمجتمعات المدنية الكوزموبلاستيكية التي تتحرك وتتعالق ضمن المجتمعات المتروبوليتانية كمجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة المتنامي حضوريًا و معرفيًا واقتصاديًا.
من اللافت أن نجد كتّابًا معاصرين يكتبون عن (الآن) كمواكبة للحدث الطازج ، وقادرين على ضخ الأحداث التكنولوجية ضمن سياق أدبي ومدروس قد لا يلائم ذات التلقي في أوطاننا العربية كما يفعل قارىء آخر، في بقعة أخرى من العالم لأنه يتحدث عن الفرد الإنسان خارج حدود خيبات المجتمعات ومآزقها ومخططاتها.

“اسمي عليا وهذا أبي” نسق جديد من الكتابة المعاصرة القادرة على رصد المتغير المجتمعي و تمثيل بنية الزمن الإنساني و صيغتهما المشتركة ضمن رؤية بول ريكور، أي المزج بين التأريخ المعاصر و التخييل، فكانت التجربة السردية بين ذات التلقي هي استيعاب كامل لممكنات واضحة تسلط الضوء أنثربولوجيا على تصورات إنسانية مستحدثة،خلقها علي الشعالي ضمن فكرة أنسنة الزمن، فالزمن لا يصير إنسانيا إلا عندما يربط الهوية السردية بالهوية الشخصية على اعتبار أن التبئير يحيط بشخصية الراوية المتكلمة،(عليا) ويمهد من عتبة العنوان لعوالم السرد، فتتشابك ثيمات معاصرة لمحددات شخصية تخص عالم الكتاب والمؤلفين والمبدعين ، مع ثيمات التقدم العلمي والتأطير المعرفي لمرضى الغيبوبة والتطور التقني العلمي و عوالم صناع المحتوى المتغايرة، مثل ثيمات:
نقد مسارات العمل الأدبي
الصراعات المستحيلة بين أبطال الشهرة على اختلاف حضورها الإعلامي
خفايا عالم الإعلام المعاصر والزيف الذي يغلف الحقائق
التنافس اللامشروع الذي يذكي فكرة المتربصين بنجاح الآخر.
النقد البناء للمشروع النقدي المبتور والمشخصن في الوطن العربي.
التوثيق المعاصر للذاكرة المدنية للحياة الإماراتية
الذاكرة الحية للتضاريس والطبوغرافية الإماراتية،والتوثيق لهموم الأجيال التي استهلكها نمط الحياة القائم على النجاة وليس على معنى الحياة.
من أجمل اقتباسات العمل الروائي الدالة:
(قبيلة من الأذكياء الدارسين الذين يسجلون السقطات)
(هل التخيل عالم افتراضي لفتح المفارقات؟)
الكثير من هذا الدلالات الفكرية في النسيج الروائي طرحت دعوة لمشاركة فكر القارىء حول عوالم تختلف في جوهرها لكنها تترابط رغما عنا وفي محيط حيواتنا وأسرنا و مسؤوليات قاهرة يفرضها علينا نمط الحياة. ومتطلباتها.

أما اللغة،فهي تشبه معايير مبدعها، رصينة متمكنة و ثابتة وصارمة وجدية،إنها لغة مباشرة أنيقة،خالية من الترميز والدلالة كألفاظ متداولة، حسية رغم مباشرتها وقادرة على إيصال لب المعنى وتحقيق الحضور الحسي المتخيل ضمن تفاصيل التفاصيل، ولا سيما توظيف لغة التسويق واللغة الإعلامية الجافة التي تعكس لغة الايقاع الحياتي، والتداعي الحر لأفكار الراوي المتكلم،الذي يفتح نوافذ الاشتباك مع وعي شخصيات العمل الغائبة والحاضرة.
هوس (السيد خليفة) المتجذر في جوهره هو الكتابة، و هوس (عليا) الشابة المسؤولة الطموحة و الواعية هي تخقيق النجاح،و شخصية (نهلة) المتقدة المرحة التي لا تشبه الاسواها، و(عدنان) النموذج النمط للشخصية الذكورية المعاصرة، وما سواها من شخصيات العمل المتبادلة مثل (سهيلة) ،(الأم)  (كلوديا) وما سواها.

تقدم لنا الموضوعة الطازجة استفزازًا معرفيا، فلأي درجة نستطيع محاكمة الإبداع وطريقة صياغته؟ ولأي درجة نستطيع جلد الكاتب على خياراته؟ إن هذا العمل يذكرنا بصورة عمل المبدع الحالي الذي غدا يفتقر لحقه القاطع والخاص باختيار نسق إبداعية معينة، والمؤثرات المحيطة من مصادر ومراجع وذاكرة وهوية و بخلق هذا الإبداع من أدلجة وتناص واقتباسات واستلهام وإعادة إنتاج للواقع ضمن مفهوم نسبي للحقيقة التي تحمي الحقوق الفكرية الأصلية وتحافظ على حرية المبدع ومصداقيته، لابد للرواية من أن تواجه الواقع تأجيلا أبديا على اعتبار نسبية الحقيقة وطريقة التعبير عنها إبداعيًا، فبين التخييل وعالم الحقيقة تكمن الرغبة في الكتابة التي يتناسل حولها المعنى . لقد أراد علي الشعالي أن يصرخ إبداعيًا، محاولًا تثمين المعنى، في العالم العادي الذي يعيشه بشر عاديون في عصر الانفتاح الرقمي المتسارع بشكل لا معقول حيث تتغير القيم وتفقد معناها.
من أهم تقنيات العمل تقنية ما وراء السرد، وهي تورط كتابي جديد للمؤلف ، يقدم محتوى أدبيًا حكائيًا آخر داخل العمل الأدبي،فالقدرة على خلق مسار حكائي ،قصصي أو روائي موازٍ يصقل الابعاد الفنية والنفسية للشخصيات أو يضيف بعدًا جديدًا لأدلجة ابطال العمل الروائي وعوالمهم الشعورية والعقليةالخاصة.
ورغم أن تقنية “الميتاسرد” هي تخييل مستقل، فإنها رفدت بؤرة النص السردي الأساسي، من ناحية خيال الكاتب وإعادة إنتاجه للنص وطريقة تطويعه للافكار المجانية التي تسبح في عالم الخلق والإبداع بانتظار من يعيد رصدها ويقومها بأسلبته، ومعظم هذه العوالم هي مشاريع سردية شيقة وملهمة تنتظر إعادة خلقها للعلن القرائي المرئي.

ما زال علي الشعالي أديبًا متمكنًا وموسوعيًا ،قادرًا على تقديم استدامة التراث الإماراتي برشاقة إبداعية يخالف المألوف ،ويبتعد عن المرغوب،و يخرج عن السياقات الأدبية التي تروجها معايير القبول الشعبي و آفاق المجتمع القرائي، ولذلك تأتي رواية “اسمي عليا وهذا أبي” كانعكاس اجتماعي يوثق المعاصر و يطرح أسئلة كبيرة عن المستقبل،حين يصبح الأدب دعوة لانتصار القيم والتحليق خارج السرب، وتقديس قيم الأسرة ومفهوم الأبوة وعلاقة الأب بابنته في مجتمع بدأ ينظر للمرأة خارج المجتمع الذكوري المعتاد، و إطلاق العنان لتخييل محلق يجتاز حواجز الزمكان، ويبتكر عبورًا ماتعًا في ذهنية مجتمع التلقي على تنوعه واختلافه لمن يريد أن يعيش حياة المواطن الإماراتي الجاد في وطنه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى