في عام 2000،وبينما كنت أعمل في جامعة الإمارات العربية المتحدة في مدينة العين الجميلة والخضراء، زارني والدي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وبعد غروب الشمس خرجنا معًا إلى ساحة تقع في وسط المدينة، وجلسنا هناك نتبادل أطراف الحديث في أجواء هادئة يلفها سكون المساء ودفء اللحظة، وأثناء جلوسنا، التفت والدي إلى طرف الساحة، فرأى كشكًا صغيرًا يقدم القهوة والشاي، فقرر أن يذهب بنفسه ليحضر كوبًا من الشاي، وطلب مني بلطف أن أبقى في مكاني وألا أرافقه، دون أن أفهم في حينها سبب رغبته في الذهاب وحده.
مضى والدي إلى الكشك، وما إن وصل حتى ارتفع صوته وصوت صاحب الكشك في نقاش بدا لي من بعيد أنه يحمل شيئًا من الحدة. فشعرت بالقلق، وهرعت سريعًا نحو المكان لأفهم ما الذي يحدث، وعندما اقتربت وسألت والدي عن سبب هذا الجدال، أخبرني بابتسامة ممزوجة بالاستغراب أنه طلب كوب شاي، لكن صاحب الكشك قدم له شايًا بالحليب،بينما كان يقصد شايًا بدون حليب. عندها فهمت الموقف، وشرحت له بهدوء أن الشاي بدون حليب في تلك المنطقة يُسمّى “سليماني”، أما قول “شاي” بشكل عام فيُفهم عادة على أنه شاي بالحليب. ابتسم والدي حينها، وانفرجت أساريره، ثم ضحك بخفة واعتذر من صاحب الكشك، وانتهى الموقف ببساطة وودّ، ليبقى ذكرى لطيفة من ذكريات ذلك المساء الجميل في مدينة العين.
إن هذه الحادثة البسيطة، حين تُقرأ من منظور علم اللغة، تتجاوز كونها سوء تفاهم يومي عابر إلى كونها نموذجًا دقيقًا لما يسميه اللسانيون “تعدد الدلالة التداولية” أو Pragmatic Variation، حيث لا تكمن المشكلة في اللغة بوصفها نظامًا شكليًا، بل في كيفية تشكّل المعنى داخل السياق الاجتماعي والثقافي. فالكلمة هنا ليست وحدة معجمية مستقلة، بل كيان حيّ يتغير مع البيئة التي يُنطق فيها، ويكتسب معناه من شبكة العلاقات التي تحيط به، لا من قاموسه المجرد.
إن لفظ “شاي” في هذا السياق لا يحمل قيمة ثابتة، بل يتحول إلى علامة لغوية مرنة تتأرجح بين معنيين: أحدهما عام (شاي بالحليب)، والآخر خاص (الشاي السليماني، دون حليب). وهذا التعدد ليس خللًا في اللغة، بل هو أحد شروط حياتها، فكما يرى علم اللغة الحديث، خاصة في اللسانيات التداولية عند أوستن وسيرل، فإن المعنى لا يُنتَج في الكلمة وحدها، بل في “فعل القول” داخل مقام معين. ومن هنا، فإن والدي لم يخطئ لغويًا بالمعنى البنيوي، بل اصطدم بنظام دلالي محلي غير مصرح به،لكنه فعّال في الوعي الجماعي للمجتمع اللغوي.
هنا يظهر ما يمكن تسميته فلسفيًا بـ”مأساة المعنى الضمني”، أي ذلك الجزء من اللغة الذي لا يُقال، بل يُفترض ضمنًا. فصاحب الكشك لم يكن يشرح نظامه الدلالي، لأنه يفترض أنه مشترك مسبقًا بين المتخاطبين، بينما جاء المتكلم من نظام لغوي آخر، حيث اللفظ يحتفظ بمعناه المعجمي المحايد. وبين هذين الافتراضين يتولد التوتر، لا لأن اللغة فشلت، بل لأنها نجحت بشكل مفرط في الاعتماد على ما هو غير مُقال.
ومن زاوية علم اللغة الاجتماعي (Sociolinguistics)، تكشف الحادثة عن اختلاف اللهجات بوصفها اختلافًا في “أنماط العالم”، لا مجرد اختلاف في الألفاظ. فاللهجة هنا ليست مجرد صوتيات بديلة، بل رؤية مختلفة للعالم تُعيد توزيع المعاني وفق عادات الاستعمال. فـ”الشاي” في بيئة ما هو بنية دلالية مفتوحة، وفي أخرى هو بنية محددة مسبقًا بإضافة الحليب كعنصر افتراضي. وهكذا تتحول اللغة إلى مرآة دقيقة للثقافة، بل إلى طريقة في تنظيم التوقعات اليومية، وأيضا، فإن هذه الحادثة تفتح سؤالًا أعمق: هل يمكن للمعنى أن يكون ثابتًا أصلًا؟ أم أن كل معنى هو احتمال مؤجل حتى لحظة الاستخدام؟ إن ما حدث بين والدي وصاحب الكشك يكشف أن المعنى ليس جوهرًا ساكنًا، بل حدثٌ يقع بين ذاتين، وأن سوء الفهم ليس استثناءً في اللغة، بل هو أحد احتمالاتها الكامنة دائمًا.
ولعل الأكثر دلالة في هذه القصة ليس لحظة الجدال، بل لحظة الفهم اللاحقة، حين جرى تفسير الاختلاف وذابت حدته في الضحك والاعتذار. فهنا تتجلى وظيفة أخرى للغة، ليست فقط إنتاج المعنى، بل ترميمه أيضًا. إذ تتحول الكلمات من مصدر سوء الفهم إلى أداة لإعادة بناء التفاهم، وكأن اللغة تمتلك داخلها آلية ذاتية لتصحيح انحرافاتها عبر الحوار والتأويل.
إن هذه الواقعة البسيطة، حين تُقرأ بعمق، تكشف أن الإنسان لا يعيش داخل اللغة فقط، بل يعيش داخل فروقها الدقيقة، وداخل المسافة بين ما يُقال وما يُفهم، وبين القصد والتلقي، وبين النظام اللغوي والواقع الاجتماعي. ومن هنا يمكن القول إن الاختلاف اللغوي ليس عائقًا أمام التواصل، بل هو الشرط الذي يجعل التواصل ممكنًا أصلًا، لأنه يُجبر الإنسان على التفسير، وعلى إعادة اكتشاف المعنى في كل مرة يتكلم فيها أو يسمع.
وهكذا، تتحول تلك اللحظة العابرة في ساحة مدينة العين إلى نموذج فلسفي صغير عن طبيعة اللغة: نظام يبدو واضحًا من الخارج، لكنه في الداخل شبكة من الاحتمالات، حيث يمكن لكلمة واحدة أن تفتح بابًا لسوء الفهم، أو بابًا أعمق لفهم الإنسان لحدود لغته وحدود نفسه في آن واحد.