ترجم المتنبي -رحمه الله- في بيته الرائع هذا حديث أبي هريرة -رضي الله عنه -الصحيح-: ” قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم -: ” إِذَا حَسَدْتُمْ فلَا تَبْغُوُا ، وَإِذَا ظَنَنْتُمْ، فلَا تُحَقِّقُوا، وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ، فَامْضُوا، وَعَلَى اللهِ تَوَكَّلُوا “.
وقد توارد على ذكر هذا البيت والاستشهاد به جمع غفير من العلماء؛ من المفسرين، والفقهاء، والأدباء، والمحدثين، والمؤرخين؛ فهموا منه أن الرذائل فيه رذائل مَرْكُوزَةٌ في جِبِلَّة الإنسان وغريزته .
ولعل هذا البيت من شعر أبي الطيب المتنبي هو الأكثر ذيوعًاً وانتشارًا، واستشهادًا به في تاريخ آدابنا العربية.
وها هو الإمام الكبير قاضي القضاة (الماوردي) إمام الشافعية في عصره ؛في التفسير والفقه والأصول، وصاحب الموسوعة الفقهية في الفقه المقارن “الحاوي”، يتحدث في كتابه النفيس “أدب الدنيا والدين” عن أهمية السلطان (ص134)، قال : ” وَأَمَّا الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَهِيَ سُلْطَانٌ قَاهِرٌ تَتَأَلَّفُ مِنْ رَهْبَتِهِ الْأَهْوَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ، وَتَجْتَمِعُ لِهَيْبَتِهِ الْقُلُوبُ الْمُتَفَرِّقَةُ، وَتَكُفُّ بِسَطْوَتِهِ الْأَيْدِي الْمُتَغَالِبَةُ، وَتَمْتَنِعُ مِنْ خَوْفِهِ النُّفُوسُ الْعَادِيَةُ؛ لِأَنَّ فِي طِبَاعِ النَّاسِ مِنْ حُبِّ الْمُغَالَبَةِ عَلَى مَا آثَرُوهُ وَالْقَهْرِ لِمَنْ عَانَدُوهُ، مَا لَا يَنْكَفُّونَ عَنْهُ إلَّا بِمَانِعٍ قَوِيٍّ، وَرَادِعٍ مَلِيٍّ. وَقَدْ أَفْصَحَ الْمُتَنَبِّي بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ:
قال العلامة ابن خلدون في مقدمته (ص159):” إعلم أنّ الله سبحانه ركّب في طبائع البشر الخير والشّرّ كما قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، وقال: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8] والشّرّ أقرب الخلال إليه إذا أهمل في مرعى عوائده ولم يهذّبه الاقتداء بالدّين وعلى ذلك الجمّ الغفير إلّا من وفّقه الله ومن أخلاق البشر فيهم الظّلم والعدوان بعض على بعض فمن امتدّت عينه إلى متاع أخيه فقد امتدّت يده إلى أخذه إلّا أن يصدّه وازع كما قال:
والظّلم من شيم النّفوس فإن تجد…
قال صاحب تفسير المنار (ج5 ص 71):” وَقَدْ كُنْتُ أُنْكِرُ عَلَى أَبِي الطَّيِّبِ قَوْلَهُ:
قال الأمير الفارس أسامة بن منقذ :” ففي طباع جميع الحيوان اعتداء القوي على الضعيف…!” واستشهد بقول المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد …
وقال صاحب “مرآة الزمان” :” الظلم في طباع النفوس مُركَّب، وإنما يَصدُّها عن ذلك عِلَّةُ ديانة، أو عِلَّةُ سياسة. قال المتنبي:
والظُّلمُ من شِيَمِ النفوسِ فإن تَجِدْ
وقال صاحب كتاب “نهاية الأرب في فنون الأدب” (ج8 ص 191):” وقال أرسططاليس: “الظلم من طبع النفوس، وإنما يصدّها عن ذلك إحدى علّتين: إمّا علّة دينيّة خوف معاد، أو علّة سياسيّة خوف سيف”. قال المتنبّى:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفّة فلعلّة لا يظلم
غير أن الشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- قد شذ وأبعد النجعة، وذهب في اتجاه معاكس، قال رحمه الله في كتابه “ذكريات” بعد أن أورد بيت المتنبي (ج1ص259):” هذا الذي قاله-المتنبي- كذب، لأن من شيم النفوس العدل لا الظلم، والخير لا الشر، والإيمان لا الكفر؛ هذه هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها. ورُبّ بيت قاله الشاعر أفسد به أخلاق أمة؛ هذا أبو فراس، أما أفسد الناس حين قال: «إذا بِتُّ ظَمآناً فلا نزلَ القَطرُ»؟ أليست هذه هي الأثَرة، أو ما يسمّونه الأنانية؟. أين هذا من قول المعري:
فلا هَطلَتْ عَليَّ ولا بأرضي
سَحَائِبُ ليسَ تَنْتَظِمُ البلادا
أوَ لم يُفسِد أبو فراس بقوله: «لنا الصّدرُ دونَ العالَمينَ أوِ القبرُ»؟ إما أن يأخذ الطالب في الامتحان مئة على مئة أو الصفر؟ إما أن ينجح بدرجة ممتاز أو أن يختار الرسوب؟! أليس بين الصدر والقبر منزلة يمكن أن نأوي إليها وأن نُقبِل عليها؟ والذي قال: «وداوِني بالّتي كانَت هيَ الدّاءُ»، هل كان صادقاً؟ ومتى كان الداء دواءً؟ لقد كذب الفاسق أبو نواس فما يكون الداء دواء أبداً”.
وما يكون للشيخ الطنطاوي الأديب مع احترامنا له ولعلمه وفضله، وتقديرنا لأدبه وفهمه أن يخالف جمهور العلماء، من الفقهاء، والمفسرين، والمحدثين، والأدباء، وغيرهم ويذهب بعيدًا في فهم بيت أبي الطيب إلا أن يكون أخذته الحماسة، وغلبته العاطفة.
وقال الآخر:
ظلم القوي للضعيف جاري
في الأرض والهواء والبحار
فهو على طريق التغليب.
وقد فهم بعض الأدباء -مثل عباس محمود العقاد- من بيت المتنبي :” (وظلم ذوي النفوس…)، وأبيات أخرى تضارعه في الحكمة والفلسفة نظمها أبو الطيب أنّ له مذهبًا خاصا في الحياة ، وفلسفة أشبه بالمذاهب الفلسفية المعروفة. وقد اتهم العقاد-رحمه الله- من أنكروا عليه فهمه ذلك بالجهل. قال :” إن للمتنبي مذهبًا خاصًّا في الحياة، وقد يستغرب الواقفون عند الظواهر نسبة الفلسفة إلى شاعر ولو كان من كبار الشعراء، لجهلهم حقيقة الشعر والفلسفة معًا، وظنهم أن الفلسفة لا تصدر إلا عن الفكر وحده مجردًا من الخيال والعاطفة، وأن الشعر لا يصدر إلا عن الخيال والعاطفة بحتًا مجردين من الفكر، ولقلة تفرقتهم بين الحقائق التي تقر في الروع وتنطبع في البصيرة ثم تسلك سبيلها من العقل الباطن إلى العقل الظاهر، فإذا هي موافقة له غير مستعصية على براهينه وأنماطه، وبين الحقائق الذهنية الصرف التي يدركها الفكر الظاهر ابتداءً كما تدرك المسائل الحسابية والمعلومات الإحصائية، وهي مما لا يستجيش إحساسًا ولا يحتاج إلى خيال”.
وفلسفة المتنبي هذه وحكمته التي ذاعت في قصائده وأشعاره حمل بعض النقاد العرب القدماء-ممن يحسدونه- على القول بأنه أخذها عن أرسططاليس ، وليست من بنات أفكاره، وقد عرض صاحب كتاب زهر الأكم في الأمثال والحكم لهذه الفرية، ومثل لذلك بقول المتنبي-:
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا
لمن بات في نعمائه يتقلب
قال (أرسططاليس) : “أقبح الظلم حسدك لعبدك ومن تنعم عليه”، قلت: وهو غلط إن كانت رواية هذه الحكمة هكذا، فإن أبا الطيب إنما أراد عكسها، وهو أن أقبح الظلم أن يحسدك من تنعم عليه وتحسن إليه، بدليل سياق كلامه:
وقد يترك النفس التي قد لا تهابه
ويحترم النفس التي تتهيب
وقال أيضًا:
لابد للإنسان من ضجعة
لا تقلب المضجع عن جنبه
ينسى بها ما مر من عجبه
وما أذاق الموت من ركبه
نحن بنو الموت فما بالنا
نعاف ما لا بد من شربه
تبخل أيدينا بأرواحنا
على زمن هي من كسبه
فهذه الأرواح من جوِّه
وهذه الأجسام من تربه
لو فكر العاشق في منتهى
حسن الذي يسبيه لم يسبه
وهو معنى قول أرسططاليس : النظر في عواقب الأشياء يزهِّد في حقائها، والعشق عمى النفس عن درك رؤية المعشوق، والذي قبله هو معنى قوله أيضًا: اللطائف سماوية والكثائف أرضية، وكل عنصر عائد إلى عنصره الأول، وقال المتنبي:
يموت راعي الضأن في جهله
موت جالينوس في طبه
وقال: وغاية المفرط في سلمه
كغاية المفرط في حربه
وهو قريب من قول أرسططاليس: “آخر إفراط التوقي أول موارد الحذر”.
أما أنصاره وتلاميذه ومريدوه فرأوا : أنّ ما جاء في شعر المتنبي من أغراض فلسفية، ومعان منطقية إما أن يكون أتى بها عن دراسة، وفحص، ونظر، وإما أن تكون جاءت عفو الخاطر، فإن كانت الأولى: فقد اغرق في درس العلوم الفلسفية، والفنون العقلية، وإن كانت الثانية فقد سبق الفلاسفة بالبلاغة والإيجاز، وأي الأمرين كان فهو على درجة من الفضل والإحسان.
ويجري في نفس المجرى ما كتبه صاحب “نهاية الأَرَب في فنون العرب” عن ذات المسألة إذ قال: “وقد جمع من شعر أبي الطيب في ذلك ما وافق كلام أرسططاليس في الحكمة، فمن ذلك قول أرسططاليس : إذا كانت الشهوة فوق القدرة، كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة، قال المتنبي:
وإذا كانت النفوس كبارًا
تعبت في مرادها الأجسام
وقال أرسططاليس: قد يفسد العضو لصلاح أعضاء كالكي والفصل اللذين يفسدان الأعضاء لصلاح غيرها، نقله المتنبي إلى شعره فقال:
تموت مع المرء حاجاته
وتبقى له حاجة ما بقي
وقال المتنبي:
ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته
ما قاته وفضول العيش أشغال
وقال أرسططاليس: الظلم من طبع النفوس وإنما يصدها عن ذلك إحدى علتين: إما علة دينية خوف معاد، أو علة سياسية خوف سيف، قال المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن
تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
ويجري في نفس المجرى ما كتبه أسامة بن منقذ في كتابه:” البديع في نقد الشعر” وذكره في باب ترجم له ” ب” اسم المناقلة بين أرسطاطاليس الحكيم والمتنبي: قال الحكيم: إذا كانت الشهوة فوق القدر، كان هلاك الجسم دون بلوغ الشهوة.
قال المتنبي:
وإذا كانت النفوسُ كباراً
تعبتْ في مرادها الأجسامُ
وقال الحكيم: روم نقل الطباع من ذوي الأطماع شديد الامتناع.
قال المتنبي:
يرادُ من القلب نسيانكمْ
وتأبى الطباعُ على الناقل
قال أحد الباحثين :” مرجع كل كلام في مسألة المتنبي وأرسططاليس، والكتاب الذي وضعه الحاتمي أن العرب كانت تدرس هذه المسائل في باب السرقات، إلا أن العبرة بالمضمون لا بالشكل والمصطلح، فالسرقة في داخل الأدب القومي ليست كالسرقة إذا تمت بالسطو على أدب أمة أخرى، وهذا النوع الأخير يدخل في باب الأدب المقارن”.