مقالات

“ثقافة التخصص الدقيق: بين تعميق المعرفة وتسليع الحياة” د. قاسم محمد كوفحي – الإمارات

د. قاسم محمد كوفحي

قبل يومين، ذهبتُ إلى قسم تسجيل المركبات في دبي لتجديد ملكية سيارتي التي انتهت مع بداية شهر أبريل 2026، وخلال الطريق، كنت أستمع إلى إحدى المحطات الإذاعية، حيث رحّبت المذيعة بضيفة قائلة: “نرحب بالدكتورة فلانة الفلانية، المتخصصة في طرق اختيار ألعاب الأطفال، والحاصلة على درجة الدكتوراه في هذا المجال.” ابتسمتُ كثيرًا وقلت في نفسي: هل أصبح اختيار ألعاب الأطفال علمًا قائمًا بذاته يحتاج إلى تخصص دقيق؟

غير أنّ هذه الابتسامة، على بساطتها الظاهرة، كانت تحمل في طياتها سؤالًا أعمق يتجاوز حدود الطرافة إلى فضاء التأمل النقدي في تحولات المعرفة المعاصرة، فالعالم اليوم يشهد تضخمًا ملحوظًا في التخصصات الدقيقة، إلى حدّ بات فيه كل تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية قابلًا لأن يُفرد له حقل معرفي مستقل، ومناهج بحث، ومؤتمرات علمية، وربما أيضًا “خبراء معتمدون”.

من منظور أكاديمي، لا يمكن إنكار أنّ تخصّصات الطفولة المبكرة، وعلم نفس النمو، وتصميم الألعاب التعليمية، تمثل مجالات علمية رصينة تسهم في بناء شخصية الطفل معرفيًا ونفسيًا. فاختيار اللعبة لم يعد فعلًا عفويًا كما كان في الأزمنة السابقة، بل أصبح—في بعض السياقات—قرارًا تربويًا موجّهًا، يراعي العمر العقلي، والمهارات الإدراكية، وأنماط التعلم. وهنا، يبدو أن “اللعبة” قد انتقلت من كونها أداة للمتعة إلى وسيط تعليمي ذي حمولة معرفية مقصودة.

 المفارقة الساخرة تكمن في المسافة بين جوهر العلم وحدود المبالغة فيه، فحين يتحول كل فعل يومي بسيط إلى مجال يستدعي “خبيرًا”، يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام تعميق للمعرفة، أم أمام تضخّم اصطلاحي يمنح العاديّ هالة من التعقيد؟ وهل أصبح الإنسان المعاصر غير قادر على اتخاذ قراراته البسيطة دون الاستعانة بخبير يحمل لقبًا أكاديميًا رفيعًا؟

إنّ هذا المشهد يعكس—بشيء من السخرية—نزعة حداثية تميل إلى “تأطير الحياة” ضمن نماذج علمية صارمة، حتى في أكثر لحظاتها بساطة، فالأب والأم، اللذان كانا يختاران لعبة لطفلهما بدافع الحدس والخبرة الحياتية، قد يجدان نفسيهما اليوم أمام كمّ هائل من الإرشادات، والتصنيفات، والتوصيات “العلمية”، التي قد تُربك أكثر مما تُعين، ومع ذلك، لا ينبغي أن يقودنا هذا الطرح إلى رفض التخصص في حد ذاته، بل إلى الدعوة إلى التوازن بين المعرفة العلمية والحكمة الفطرية، فليست المشكلة في وجود علم يدرس ألعاب الأطفال، بل في تحويل هذا العلم إلى سلطة تُصادر البساطة، وتُعيد تعريف العادي بوصفه معقدًا.

في النهاية، قد يكون السؤال الأهم ليس: هل نحتاج إلى دكتوراه في اختيار ألعاب الأطفال؟ بل: إلى أي مدى يمكن للعلم أن يظل في خدمة الإنسان، دون أن ينتزع منه قدرته الطبيعية على الفهم والاختيار؟ هنا، تتوارى الابتسامة الساخرة، لتفسح المجال لتأمل جاد في علاقتنا المتغيرة مع المعرفة في زمن التخصصات اللامتناهية.

عندما ناقشتُ هذا الأمر مع صديقي الذي كان يرافقني في السيارة، أخبرني أنه في أحد الأيام طلب من والده أن يشتري له كرة قدم — كما يُسمّونها اليوم — فأجابه والده: انتظر حتى يبلى أحد الجوارب، ثم نحشوه  بقطع من القماش — أو ما يُعرف في العامية الأردنية بـ“الشرايط” — فتتحول إلى كرة، ويمكنك حينها أن تلعب بها مع أصدقائك.

برأيكم: أين يجب أن نقف بين فائدة التخصص الدقيق والحفاظ على بساطة حياتنا اليومية؟ وهل ما زلنا قادرين على الثقة بحدسنا، أم أصبحنا بحاجة إلى “خبير” في كل تفاصيل حياتنا؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى