د. زيد الأعظمي
ليست الأممُ العظيمةُ أكثرَها علماً، ولا أوفرَها مالاً، ولا أكثرَها عدداً؛ بل هي التي أحسنت أن تجمع ما تملك تحت رايةِ غايةٍ واحدة، فحوّلت المعرفةَ إلى بناء، والبناءَ إلى نهضة، والنهضةَ إلى أثرٍ يجاوز أصحابَه. تلك قدرةٌ أعلى من الذكاء المعهود، أُسمّيها: “الذكاء الحضاريّ” وهو مصطلحٌ جديدٌ في سَكِّه وتركيبه، وإن كانت فكرتُه قد دارت في أفلاك دراساتٍ شتّى: عند من بحث في صور الذكاء المتعدّدة، وعند من تأمّل قوانينَ العُمران ونشوءِ الدول، وعند من ردّ نهوضَ الأمم إلى نُظُمها ومؤسّساتها. لكنّ المعنى ظلّ متفرّقاً بين هذه الميادين، لم يلمّه اسمٌ جامعٌ يحدّه ويُقيمه مفهوماً قائماً بذاته. وهذا موضعُ الإضافة: أن يُجمَع الشتاتُ في لفظٍ واحد، فيصير للمعنى بيتٌ يأوي إليه.
حقيقتُه
الذكاء الحضاريّ هو القدرةُ على تحويل الإنجاز الفرديّ العابر إلى نظامٍ متوارَث. فالفكرةُ في العقل الواحد شعلةٌ تنطفئ بانطفاء صاحبها، ما لم تُودَع بناءً يحملها من بعده. وحين تنتقل الفكرةُ من رأسٍ إلى مؤسّسةٍ تصونها وتُنمّيها وتُسلّمها للأجيال، عندئذٍ يعمل الذكاء الحضاريّ عملَه. فمِلاكُه كلمةٌ واحدة: أن يبقى الأثرُ بعد الأثِر.
الفرقُ بين المعرفة والحضارة
المعرفةُ مادّةٌ خام، والحضارةُ حُسنُ تنظيمها. وكما أنّ ركامَ الحجارة ليس مدينة، فإنّ ركامَ المعلومات ليس حضارة. الحجارةُ تصير مدينةً حين يأتيها عقلٌ يرى ويركّب ويخطّط، والمعرفةُ تصير حضارةً حين يأتيها عقلٌ يحوّلها من علمٍ متفرّقٍ إلى بناءٍ ذي رسالةٍ وغاية، فالذكيُّ يبتكر فكرةً، أو يحلّ معادلة، أو يؤلّف كتاباً؛ أمّا صاحبُ الذكاء الحضاريّ فيسأل سؤالاً أبعد: كيف تصير هذه الفكرةُ مشروعاً؟ وكيف يصير المشروعُ مؤسّسة؟ وكيف تصير المؤسّسةُ نهضةً تمتدّ آثارُها عبر الأجيال؟
مستواه
الذكاء الحضاري ذو وجهين: ففي الفرد ملَكةُ من يفكّر بمنطق البناء لا بمنطق الإنجاز؛ يصنع ما يبقى بعده لا ما ينتهي بانتهائه. وفي الأمّة صفةٌ في نُظُمها لا في عدد نابغيها؛ إذ قد تنهض أمّةٌ بأفرادٍ متوسّطين ونُظُمٍ محكمة، وتعجز أخرى رغم عباقرتها إذا فسدت نُظمُها فبدّدت طاقاتِهم. فالعبرةُ بذكاء النظام الذي يجمع ذكاءَ الأفراد ويحوّله إلى قوّةٍ متراكمة: الفردُ الحضاريُّ يصنع النظام، والأمّةُ الحضاريّةُ تحفظه.
علامتُه وضدُّه
تُعرَف حقيقة الذكاء الحضاري بسؤالٍ واحدٍ يُوجَّه إلى كلّ إنجاز: هل خلّف بناءً يحمله بعد صاحبه، أم انطفأ بانطفائه؟ فما تحوّل إلى مؤسّسةٍ باقيةٍ فهو أثرُه، وما لمع ثم خبا فهو دونه، وبضدّه تتّضح الصورة؛ وأُسمّيه “العُقمَ الحضاريّ”: ذكاءٌ يُنجب العباقرةَ ولا يُثمِر مؤسّسة، فتظلّ الأمّةُ تبدأ من الصفر في كلّ جيل، لأنّها لا تُودِع نبوغَها نظاماً يحفظه. فالأمّةُ الحضاريّةُ تُراكم، والأمّةُ العقيمةُ تُكرّر، فالذكاء الحضاريّ إذن هو ذكاءُ التحوّل: أي العبورُ بالفكرة من الذهن إلى الفعل، ومن الفعل إلى المؤسّسة، ومن المؤسّسة إلى بناءٍ يتوارثه الناس، و به تصير المعرفةُ قوّةً منتجة، والقيمةُ سلوكاً جارياً، والرؤيةُ تاريخاً مكتوباً، وليس فوق الذكاء درجةٌ أرفعُ من أن يصنع صاحبُه ما يبقى حين يذهب.
زر الذهاب إلى الأعلى