
الشارقة – “البعد المفتوح”:
صدر عن إدارة الدراسات والنشر بدائرة الثقافة في الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة كتاب “الأشياء والمعاني – الأدب الحديث نموذجاً” د. قاسم محمد كوفحي، وهو دراسة نقدية وفلسفية معمّقة تعيد مساءلة موقع “الشيء” في الخطاب الأدبي الحديث والمعاصر، متجاوزًا التصورات التقليدية التي كانت تحصر الأشياء في بعدها المادي أو الوظيفي داخل النص، إلى اعتبارها كيانات دلالية وفاعلة تسهم في إنتاج المعنى وتوجيه السرد وبناء التجربة الجمالية.
ينطلق الكتاب من فرضية مركزية مفادها أن الأشياء في الأدب ليست عناصر صامتة أو خلفيات محايدة، بل تمتلك حضورًا سرديًا ورمزيًا يشارك في تشكيل البنية العميقة للنص، ويعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم المادي داخل العمل الأدبي، و ينفتح هذا العمل على مقاربة متعددة الأبعاد تجمع بين الفلسفة والنقد الأدبي والدراسات الثقافية، حيث يعيد الفصل الأول تفكيك المفاهيم النظرية الكلاسيكية المتعلقة بالشيء، ويناقش التحول الأنطولوجي في فهمه كما لدى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر هايدغر، وصولًا إلى نظريات الفاعلية المادية التي تمنح الأشياء حضورًا شبه-فاعلي داخل الشبكات الاجتماعية والنصوص الأدبية. أما الفصول اللاحقة فتتتبع تمظهرات الشيء في الأدب من خلال أبعاده السردية والحميمية والاجتماعية والسياسية، بدءًا من دوره في تشكيل الحبكة ولغة الجمادات، مرورًا بوظيفته بوصفه مستودعًا للذاكرة والحنين داخل الفضاء المنزلي، وصولًا إلى تحوله إلى علامة طبقية وثقافية تعكس بنى السلطة والتمييز الاجتماعي، خصوصًا في سياقات ما بعد الاستعمار.
كذلك يولي الكتاب مسألة هشاشة الأشياء وفنائها اهتمامًا خاصًا، حيث يتم تحليل حضور البقايا والمهمل والمنسي في النصوص الحديثة وما بعد الحداثية بوصفها عناصر جمالية ونقدية تكشف عن أنماط الاستهلاك والهدر في العالم المعاصر، وتفتح المجال أمام قراءة بيئية وثقافية جديدة للأدب. وفي امتداد هذا التحليل، يناقش الكتاب التحول الرقمي في علاقة الإنسان بالأشياء، حيث تعيد التكنولوجيا تعريف “المادي” و”الافتراضي”، وتنتج أشكالًا جديدة من الشيئية داخل الفضاءات الرقمية والافتراضية، بما يغيّر طبيعة السرد وعلاقة القارئ بالنص.
ويختتم الكتاب بطرح بعدٍ أخلاقي وجمالي يتناول مسؤولية الأدب في تمثيل الأشياء ومنحها صوتًا رمزيًا داخل النص، متسائلًا عن حدود الفاعلية الإنسانية في إعادة تعريف ما هو صامت أو مهمّش، وعن دور القارئ في استكمال هذه الفاعلية عبر فعل التأويل. ومن خلال هذا المسار التحليلي المتكامل، يقدّم الكتاب رؤية نقدية جديدة للأدب الحديث، تقوم على إعادة اكتشاف العالم المادي بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى، لا مجرد خلفية له، مما يفتح أفقًا نظريًا خصبًا لإعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والأشياء داخل النص الأدبي وخارجه.
_______
*أكاديمي كاتب وأستاذ جامعي متقاعد
زر الذهاب إلى الأعلى