
إبراهيم الهاشمي و لولوة المنصوري و إيمان محمد
أبو ظبي – سارة ضاهر:
نظم اتحاد كتّاب وأدباء الإمارات الثلاثاء 9 يونيو 2026 في المركز الثقافي في أبوظبي جلسة حوارية بعنوان «الأدب الإماراتي بصفته جسراً للتواصل الثقافي» تحدث فيها الكاتب إبراهيم الهاشمي والكاتبة لولوة المنصوري و أدارتها الإعلامية إيمان محمد، و لم يكن النقاش مجرد جرد حساب لواقع محلي، بل كان محاكمة واعية للمسافة الفاصلة بين “الانتشار المؤقت” و”الأثر الباقي”، وتحولت الجلسة إلى مراجعة نقدية عميقة للذات الإبداعية، وسؤال جوهري حول كيف يمكن للحكاية الإماراتية الخصوصية أن تصبح لغة عالمية يفهمها الإنسان أينما كان.
من وهج الثمانينيات إلى عزلة “الرقمية”
أعاد المتحدثون فتح “دفاتر الذاكرة” الثقافية، وتحديداً مرحلتي الثمانينيات والتسعينيات، ليس من باب النوستالجيا المفرطة، بل لاستلهام الدروس. في تلك الحقبة، كان النص الإماراتي يفرض حضوره في كبريات المجلات والملاحق الثقافية العربية والبرامج التلفزيونية الجادة.
اليوم، ومع تراجع المساحات الثقافية في وسائل الإعلام التقليدية لصالح بريق المنصات الرقمية السريعة، يواجه الأدب الإماراتي تحدي “الصوت المسموع”. لقد غاب “الناقد الشريك” الذي كان يواكب النص ويوجهه، وظهرت فجوة تقتضي إعادة ابتكار أدوات المتابعة الثقافية، فالأدب لا يعيش في جزر معزولة، بل يحتاج إلى حاضنة إعلامية ذكية تعيد وصل ما انقطع بين الكاتب وقارئه العربي والعالمي.
معضلة السوق: حين يتحول النشر إلى “خدمة مدفوعة”
لم تخلُ الجلسة من مكاشفة شجاعة لواقع صناعة الكتاب. ثمة تحذير صريح ومقلق أطلقه المشاركون من “تسليع الثقافة”، حيث تحولت بعض دور النشر إلى جهات تجارية تقدم “خدمات مدفوعة” لمن يدفع، بغض النظر عن جودة المحتوى.
إن غياب “الفلترة” النقدية والمعايير الأدبية الصارمة في بعض دور النشر يهدد الهوية الإبداعية. إن حماية حقوق الكاتب وضمان شراكة عادلة معه هما حجر الأساس لبناء صناعة نشر حقيقية، لا مجرد مطابع تقذف بالكتب إلى أرشيف النسيان، أما عن الجوائز الأدبية، فقد وضعها المشاركون في حجمها الطبيعي: هي منصات كاشفة للمواهب، وبوابات عبور ممتازة، لكنها أبداً ليست “صك الغفران” النهائي للنص. فالنص الحقيقي هو الذي ينجو من مقصلة الوقت، ويثبت جدارته بالبقاء بعد أن تنطفئ أضواء مسارح التتويج.
نحو استراتيجية عابرة للقارات
يمتلك الأدب الإماراتي اليوم – بحسب النقاش – كل المقومات التي تجعله ركيزة أساسية في منظومة “القوة الناعمة” للدولة؛ فالخصوصية البيئية والتاريخية والوجدانية الغنية في الرواية والقصيدة الإماراتية قادرة على إبهار الآخر. ولكن، هل يكفي أن نكتب نصاً جميلاً ليرانا العالم؟
الإجابة الحاضرة في الجلسة الحوارية كانت: لا. العبور العالمي يتطلب ما يتجاوز الفعاليات المؤقتة أو مبادرات الترجمة الفردية. إننا بحاجة إلى “دبلوماسية ثقافية مؤسسية” تشتبك مع العالم عبر استراتيجية متكاملة تشمل:
1. مأسسة حركة الترجمة: اختيار الأعمال التي تحمل عمق الهوية الإماراتية وترجمتها بلغات حية.
2. الوجود الفاعل: منح الأدباء مساحات حقيقية ومستمرة في المحافل الدولية، لا كحضور شرفي، بل كصناع حوار.
3. الأكاديميا والنقد: دعوة الجامعات ومراكز البحوث لتبني أطروحات الماجستير والدكتوراه التي تفكك المنتج الأدبي الإماراتي، لبناء أرشيف نقدي موازٍ يمنح النص شرعيته المعرفية.
تكامل الأدوار: الرؤية الاستراتيجية للمستقبل
اختتمت الندوة برسم خارطة طريق واضحة؛ إن مستقبل الأدب الإماراتي وقدرته على أن يكون جسراً حضارياً حقيقياً، لا يعتمد على جهة دون أخرى. إنها حلقة دائرية متكاملة:
الكاتب يبدع بعمق وأصالة.
الناشر يحمي الحقوق ويلتزم بالجودة و الناقد يوجه ويشرح
المؤسسة والجامعة توفران الحواضن والدعم المعرفي المستدام.
وسائل الإعلام تمنح المساحة والأثر.
إن بناء قوة ناعمة ثقافية مؤثرة ليس مشروعاً آنياً، بل هو استثمار طويل المدى في الفكر الإنساني، والرهان اليوم هو كيف نحول هذه الأفكار الثرية التي شهدتها قاعة المركز الثقافي بأبوظبي إلى واقع ملموس يعيد للأدب الإماراتي توهجه الذي يستحق.
زر الذهاب إلى الأعلى