الخشب ليس مجرد مادة صماء، بل كائن يحمل تاريخًا ورائحةً وهُوية، ودور الفنان هو كشف هذه الروح المدفونة داخل الكُتلة. والنحت على الخشب هو لُغة الاعتذار الأنيقة، التي يقدمها الإنسان للطبيعة، فأنت تجد بعد جهود مُكثفة منحوتات مُذهلة بتفاصيلها، تحمل ثيمة التنقيب عن الجمال، وهنا يكفي أن تتأملها لترتاح، كما أن النحت يتطلب صبراً وحساً استثنائياً، فالخطأ هنا لا يُمكن محَوه، وكل تنسيق وتشذييب هو قرار أبدي.
واليوم نأخذكم في رحلة قصيرة مع الفنان والنحات الإماراتي فيصل خلف الحوسني، الذي يتأمل الكُتلة الخشبية قبل أن تمسها الأدوات، يقرأ اتجاه أليافها، ويتلمس عقدها وصلابتها، ليخوض معها حواراً هادئاً.
تتميز أعمال الحوسني بقُدرة فريدة على منح السكون حركةً، والصمت صوتاً. عندما تنظر إلى منحوتاته، تلمس إنسيابية التشكيل التي تلغي قسوة الخامة ليُذَّكرنا دائماً أن بين قسوة الخشب ورقة الفن مسافة يقطعها الفنان بالشغف والدقة،والفنان فيصل استكشف مُمارسته للنحت الخشبي المُعاصر من خلال أنماط طبيعة الإمارات العربية المتحدة وذاكرتها وإيقاعاتها الثقافية.. يتعامل مع الخشب بوصفه خامة ومادة بحثية في ﺁنٍ واحد، إذ تحمل عروقه أثر الزمن، بينما يحوِّل النحت والحرق والتشطيب اليدوي سطحه إلى حركة وظلال وسرد ملمسي، وهو يستلهم الصحراء والرياح والخيول والضوء والهندسة الهادئة للطبيعة في أعمالهِ كنقاط انطلاق لتشكيل القطع الفنية. تمنحهخلفيتهِ الهندسية الدقة والحرفة، ومن خلال كل منحوتة يسعى إلى تحقيق توازن بين التحكم والحركة. يعرف الحوسني كيف يحكي لك قصة قصيرة جميلة تُخفيها كل منحوته، إلى درجة أن المرء يبقى مُندهشاً من كم الحكايات التي يرويها عن فن عشقه وقدَّره تقديراً عالياً.
وقد شارك الفنان فيصل الحوسني ولأول مرة مؤخراً في الحدث الأبرز الذي يجتمع فيه نُبل التراث بأصالة الفن ضمن فعاليات المعرض الدولي للصيد والفروسية 2026 عبر تشكيلة استثنائية من منحوتات استحضر فيها روح الصحراء مُبرزاً أبعاداً جمالية تُجسد الهُوية الإماراتية بأسلوب فني فريد.
تميزت مُشاركته بعمل مُختار وفريد من سبع منحوتات يدوية تُمثل الإمارات السبع. وكانت تعكس أنواع الأخشاب وعروقها ودرجاتها اللونية وملامسها المختلفة التنوع الجيولوجي والديموغرافي لدولة الإمارات، وبما أن الأخشاب جُمعت من قارات مختلفة، تصبح المواد استعارة لأناس من أصول متعددة يجمعهم وطن واحد.العمل الذي تميز فيه الحوسني اختصر فيه التنوع المُوحَّد
[سبع إمارات أصول مُتعدِّدة، وطن واحد]
المنحوتة كُثبان:
تأمل في جمال الصحراء، وحركتها الهادئة، وسكونها الخالد، تلتقط المنحوتة كثبان الشعر الهادئ التي تشكلها الرياح حيث تستحضر عروق خشب الزان الدافئة الرمال المضيئة بالشمس، بينما تكشف التضاريس المتدفقة والظلال الناعمة عن حركة عميقة وتناغم دقيق ويدعو العمل إلى السكون والتأمل عبر الإيقاع الطبيعي للصحراء.
المنحوتة لهايب:
تختصر صورة للصحراء في حرِّها، ومُقاومتها، وحركتها الجامحة. وتعني “لهايب” الرياح الحارة الهابة التي تُحول اضطراب الصحراء إلى أشكال مُتدفقة وقوية تستحضر آثار النحت اليدوي المتروكة، الندوب والاحتكاك والرمال التي تدفعها الرياح، وتزيد عروق خشب الزان الدافئة والظلال المُتبدلة الإحساس بالضغط والحرارة والحركة.
المنحوتة كحيلة:
تختصر الظُلمة، الرشاقة والجمال الراسخ للشخصية العربية. مُستوحاة من عُمق العيون الداكنة الآسر وأناقة الخيول العربية، .يخلق خشب الزان المنحوت يدوياً وسطح الياكيسوغي الأسود توتراً هادئاًبين الظِل والتوهج، إذ تعمّق النار عروق الخشب، بينما يكشف الضوء عن لمعات رمادية فضية وانحناءات مُتدفقة.
المنحوتة قطر الندى:
(قطرة واحدة تكسر سكون الواحة) تلتقط قطرة الندى لحظة عابرة من البرودة في الصحراء. قطرة ندى تُلامس ماءً ساكنأ فترسل تموجات عبر سطحه. .يكشف خشب الآشالمنحوتة يدويأ وتقنية الياكيسوغي عن عروق عميقة وحركة دائرية متراكزة، في توازن بين العتمة والرطوبة والضوء المُنعكس.
وهكذا يقدم لنا فن النحت فلسفة كاملة في التحرر ودرسًا بليغًا في الصبر، فهو يُذكرنا دائمًا بأن أروع التحف الفنية كانت في الأصل حجارة صامتة ينتظر كشف النقاب عنها فنان يتنفس الإبداع، وتظل المنحوتات شاخصة تعبر الحدود واللغات لتقول للجميع: إن الجمال هو اللغز الوحيد الذي لايقتله الزمن.