النثر حالة بحد ذاتها ونظام كالشعر الذي هو حالة ونظام ،ولكل قوانينه وسحره وبيانه ، و “ان في البيان لسحرًا” كما جاء في الحديث الشريف. وقد جاء القران فر قانا للناس وبيانا وسماه من لم يؤمنوا شعرًا، وقالوا : “ما هو بكلام بشر لبلاغته وحكمته وغيبه وقدرته على تطويع اللغة بقوالب مبهرة، ورغم ذلك لم يكن شعرًا والذين امنوا لم يسموه شعرا ولا حتى نثرا. الذي اريد قوله إن النثر نمط من انماط الإبداع الإنساني باللغة وتطويعها بقوالب بديعة، لكننا لا يمكن ان نسميه شعرًا بقوانينه، وعليه فالنثر أحيانًا إبداع حداثي رائع باللغة والبلاغة وقوة التعبير والتحليق في عوالم ومستويات بعيدة ورائعة، ولكل مبدع طريقته الابداعية يبتكرها ويمشي عليها وله اسلوبه، فهناك الرسام و في الرسم مدارس، وهناك التمثيل وله مدارس، وهناك الرواية و لها مدارس، وهناك الشاعر وللشعر مدارس، واقول: وهناك الناثر وللنثر الفني اسلوبه ومدارسه، واذا قلنا إن الشعر من الشعور ، فالنثر لا يصح ان يكون شعرًا، اي إن الإبداع عملية شعورية نابعة من الاحساس، فعلى سبيل المثال هناك نمط من الأدب يسمى “المقامات”، وهو ينحو منحى الشعر في القافية لكنه لا يسمى شعرا ، فهو سجع ، وهناك استخدام المحسنات البديعية مثل الجناس والطباق وغيرهما ولا يسمى هذا النمط شعرا ، انما هناك أسلوب شاعري نجده مثلًا في الرواية التي تكتب بلغة شعرية، فالشعر له نمطه الموسيقي وله ايقاعاته وله قوافيه وعالمه،أي إن النثر نمط إبداعي جميل خين يكون له اسلوب شاعري، ولكنه لا يسمى شعرا، وما في ذلك انتقاص من النثر، على العكس رفعه إلى كونه ابداعًا جديدًا متطورًا من الكتابة والتجريب في اللغة، وهو ابتكار يحسب لاصحابه وله مدارسه ايضا. هنا أتمنى أن يكتب النقاد عن أساليب الناثرين وطرقهم وتجريبهم في اللغة والمستويات والخيال والصور والشاعرية والسردية والحداثة وغيرها، و تكون لهم ندواتهم ومحاضراتهم ، واعترف بأني أحب هذا الإبداع المعروف بالنثر الفني، واقرأ كثيرًا منه وأفخر بمبدعيه وأستفيد كثيرًا وكثيرًا جدا من تجاربهم ولغتهم وقدرتهم على اخذنا إلى عوالم مفتوحة في هذا الكون الفسيح اللانهائي.