إبداعات

“فن الجان” قصة قصيرة صفاء بدر الدين – الإمارات

صفاء بدر الدين

في زاوية مخصصة من منزل كبير، تقطنه سيدة مسنة هادئة قليلة الكلام، تنظر دائماً إلى الأعلى، تهمس بكلمات غير مفهومة، تباغتها ضحكة وتتبعها بكاء، ثم تعود لحالة السكون من جديد.
تجلس “الست كوثر” وحيدة، تساعدها مربية دائمة التأهب والخوف، حركاتها في المنزل محسوبة؛ فعند استفسار أحد الأشخاص الذين يأتون لإحضار المشتريات المنزلية أسبوعياً، لا ترد عليهم المربية خوفاً من أن يسمعها “الأسياد”! ولكن الكل يريد معرفة هذا السر الغامض.
منزلها الكبير ذو الطراز العتيق يعكس الراحة والغموض في طرازه الداخلي، إلا أنها تحب أن تتحسس الأشياء، وبسبب بصيرتها القوية لديها القدرة على تخيل المسافة بين كل قطعة أثاث وأخرى، وأحياناً تنظف المنزل وتعيد ترتيب أشيائه بيديها، فالسيدة كوثر التي كانت ذات وجه بشوش وابتسامة عريضة على الرغم من كبر عمرها، كانت تتمتع بعقل راجح ومستنير، وتعرف من أين تؤكل الكتف، لبيبة وذات حكمة وفطنة، فمنذ أن كانت ممرضة في إحدى الدول العربية في وقت سابق، كانت لديها عادة تستخدمها كهواية وهي “قراءة الفنجان”؛ يجتمع حولها الأصدقاء والزملاء في السكن، يضحكون ويثرثرون، والغريب هنا أن ما كانت تقرأه يتحقق،  حتى ذاع صيتها بين الزملاء في العمل والمنطقة السكنية، فجعلت هذه الهواية وظيفة جزئية تتكسب منها.
في أحد الأيام، ذهبت “الست كوثر” إلى أزقة الدولة المشهورة بدكاكين صناعة البخور والفخار والأقمشة وغيرها، وكانت دائماً تنجذب للأعمال الفخارية، وبالأخص الفناجين والأكواب. اشترت من صاحب الدكان أفخم وأغلى فنجان، ومن هنا بدأت الحكاية.
جلست “الست كوثر ” تشاهد التلفاز و تتابع فيلم “الإنس والجن” و هي تحتسي قهوتها، وكانت تنظر للفنجان بفرحة واندهاش من جمال تصميمه، وعندما انتهت من الشرب، قلبت الفنجان على طبق وانتظرت حتى يجف تماماً لتستطيع قراءة الطالع.
بعد دقائق قلبت الفنجان، فلم تستطع القراءة كما اعتادت من قبل؛ أحضرت نظارتها وأخذت تحاول أن ترى أي رسمة تدل على أي شيء، ولكنها وجدت طلاسم غير معروفة لها. أحضرت ورقة وحاولت أن تكتب ما رأته، وبدأت تنقل تلك الرموز بحذر شديد ويدها ترتجف، وما إن أتمت كتابة الحرف الأخير، حتى رأت الطلاسم تتجلى في شكل محدد من نور!. ارتبكت وحاولت تمزيق الورقة، لكن يديها تسمرتا في الهواء بفعل قوة خفية، وانقطع التيار الكهربائي في السكن الخاص بها فقط، ما أصابها بالذعر. وظهرت أمامها امرأة طويلة، ذات شعر أسود طويل، جميلة الملامح، ولكن عينيها كانت تلمع بلون رمادي مائل للأبيض، وجلدها شاحب عروقه واضحة.
انتفضت كوثر من مكانها حتى لم تستطع قول “بسم الله”، ولم تستطع فك عقدة لسانها بسبب ذعرها وهيبة الموقف.
نطقت المرأة: «أنا نورسين، وأنتِ من أحضرتِني.. أشكركِ، كنتُ حبيسة هذا الفنجان منذ قرون، وأنتِ من حررتِني وأصبحتِ لي بوابة الخروج!»
فزعت كوثر ولم تستطع أن تتمالك أعصابها فصرخت، فقالت لها “نورسين”: «لا أريدكِ أن تخافي أو تنزعجي من مظهري، أنا ضحية!»
هدأت كوثر قليلاً وقالت لها: «ما معنى ضحية؟»
أجابت “نورسين”: «ستعلمين مع الوقت، ولكنني الآن أستطيع أن أجعلَكِ أغنى امرأة وأشهر عرافة أقدار، ستجنين الأموال وتنتقلين إلى عالم آخر.. ثقي بي!»
وافقت كوثر، ولكن “نورسين” أردفت: «هناك مقابل؛ مع كل قراءة فنجان لزبونة ستعطيني القليل من نور عينيكِ!»
رفضت كوثر، ولكن قاطعتها “نورسين” قبل إتمام جملتها: «القليل من النظر ويمكن علاجه يا كوثر.. فلا تقلقي من هذا الشأن!»
.. وافقت كوثر!
أصبحت كوثر حديث المدينة في مقهى مشهور اختارته لها “نورسين” لتلتقي بالزبائن الذين يريدون معرفة أقدارهم. جمعت الأموال واشترت العقارات في بلدها، واشترت مقهى كنوع من الاستثمار في الدولة التي تعمل فيها، وأسمته «كوثر لكشف المستقبل».
في كل مرة تكشف كوثر أسراراً وخبايا للمستقبل تفقد جزءاً من بصرها، حتى استعادت “نورسين” لها بصرها في النهاية، واستجمعت قواها، وانقلب السحر على الساحر؛ فقدت كوثر بصرها، ولكن بصيرتها وحدسها كانتا وما زالتا بنفس القوة.
بدأت كوثر تشعر بالضجر واليأس من فقدانها بصرها، قائلة: «يا نورسين، أنتِ وعدتِني أن أسترد نظري عبر العلاج.. أنتِ كاذبة!» قالت نورسين: «هذا قراركِ، ويجب أن تتحملي نتيجة قراراتكِ يا كوثر!»
عندما أدركت “الست كوثر” خدعة الساحرة، وأن عينيها أصبحتا بيضاوين تماماً، ولم يعد يفصلها عن العمى المطلق إلا القليل ولا يمكن علاجها، استبدّ بها الخوف والندم. قررت أن تستخدم “فن الجان” الذي تعلمته ضد “نورسين” نفسها!
بحثت في المخطوطات السريانية القديمة، ورسمت طلسمًا معكوساً داخل فنجان جديد، محاولةً أن تبث فيه تعويذة تُعيد لها نور عينيها وتُرجع “نورسين” إلى حبسها الأبدي.
ردت الساحرة: «أتجربين خداعي؟ أنتِ لا تعرفينني جيداً يا كوثر، وستستحقين ما سيحدث لكِ!»
فقدت كوثر بصرها بالكامل، ولم يتبقَّ لها سوى بصيرة مرعبة. تم فصل كوثر عن عملها وصُدر أمر بترحيلها إلى بلدها ؛ فلم ينفعها الثراء، وأصبح مقهاها مهجوراً يرتعب ويرتعد كل من مرّ أمامه حتى تم بيعه برخص التراب.
في هذه الاثناء قبل عودتها إلى وطنها، شرعت كوثر في معرفة الحقيقة كاملة. في ليلة باردة شتوية تكاد تُرى معالم الطريق والمدينة فيها بصعوبة، عمّ المنطقة السكنية صدى صوت صراخ كوثر؛ حيث جنّ جنونها تريد مساعدة من أي شخص يقودها إلى الدكان الذي اشترت منه الفنجان الفخاري. وبالفعل وجدها رجل صالح، وأخذ بيدها إلى الدكان ثم تركها وذهب حتى ابتلعه ضباب المدينة.
قال لها صاحب الدكان في خوف وتأنيب ضمير: «كيف يمكنني مساعدتكِ؟»
أمسكت به وقالت: «لماذا بعتَ لي هذا الفنجان؟ وما قصته؟»
قال لها: «أنتِ التي قمتِ باختياره يا سيدتي وأصررتِ عليه، وأنا ارتحتُ من بيعه؛ فقد كان يسبب للمكان طاقة سلبية ويقلل جركة البيع! أما بالنسبة لقصته، فامرأة تُدعى “نورسين” ليست مجرد امرأة، بل كانت ساحرة وكاهنة في مملكة كانت قديماً هنا في القرن الرابع الميلادي..
تجاوزت “نورسين” حدود السحر المسموح به، وسعت للخلود واستبصار الأقدار من خلال “قراءة الرموز الحية”؛ حيث كانت تستخدم دماء الحيوانات والقهوة البدائية لترسم بها مصائر الملوك والناس، وعندما اكتشف أهالي المدينة قدرتها على سرقة “نور عيون” من تقرأ لهم طالعهم لتبقى هي حية وشابة، حاصرها كاهن العرافين في مغارة تحت الأرض، لكن أهالي المدينة لم يستطيعوا قتلها، فربطوا روحها بفنجان طين قديم ، وهو الذي أصررتِ على شرائه، فهذا الفنجان أداة اتصل بها الجان عبر العصور، ودفنوها تحت حارة و…»
قالت له كوثر بصراخ وانفعال: «أكمل أيها الملعون!»
قال: «هذا المكان هو الذي قمتِ بافتتاح مقهاكِ فيه يا ست كوثر، ووضعوا طقساً لا يفك حبسه إلا إذا نُقلت رموز الفنجان بخط يد بشرية يمتلك صاحبها “الحاسة السادسة” مثلكِ يا ست كوثر!»
صرخت باكية: «أنتم مجرمون! أنتم السبب في فقداني بصري ووظيفتي!»
رد صاحب الدكان قائلاً: «ولكن يا ست كوثر، أنتِ من قلبتِ الفنجان الفخاري وفككتِ الطلسم!»
تذكرت كوثر وقالت: «بالفعل.. فلم تكن الخطوط مجرد حبر بُنيّ، بل كانت تُشكّل جملة سريانية قديمة دقيقة:
«ܫܡܥܝ ܩܠܝ ܘܦܬܚܝ ܬܪܥܐ – ܫܡܐ ܕܢܘܪܣܝܢ»
شْمَعْي قُولْي وْفَتْحِي تَرّعَا – شْمَا نورسين»
رد صاحب الدكان قائلاً: «ومعناها بالعربية: اسمعي صوتي وافتحي الباب (البوابة).. باسم نورسين! وما إن أكملتِ يا ست كوثر نقل الحروف الأربعة الأخيرة من السريانية الغربية على الورقة: (ܡ-ܐ-ܪ-ܬ-ܐ – نورسين)، حتى اكتملت الدائرة الملعونة، وكأن الورقة أصبحت “المفتاح” الذي فتح باب السجن الأبدي!»
انهارت كوثر: «لقد أضعتُ حياتي وبصري.. لن أسامحك أبداً! أبداً أين الشاب الذي أخذ بيدي؟!»
قال صاحب الدكان: «يا ست كوثر، إنه من الجن الصالحين، ليس ببشرياً!»
ارتعبت: «لا بصر لدي، وبصيرة مرعبة سأعيش بها طوال حياتي.. أعدني لمنزلي وبلدي!»
لم يتبقَّ لها سوى منزلها، وتعلمت العبرة في أن ما قامت به هو شرك بالله، ونالت عقوبتها للاستعانة بقوة أخرى ظنت أنها ستقودها إلى نعيم الدنيا، وما كان ذلك إلا جحيماً! ظلت وحيدة في بيتها ترعاها الخادمة بتحسب وخوف منها، حيث الجميع من الأهل والأصدقاء ابتعدوا عنها وأطلقوا عليها: «العرافة التي خطف نظرها الجن» .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى