يُعدُّ أسلوب الحذف في القرآن الكريم من جميل أسرار البلاغة العربية؛ لما له من دور فعّال؛ في تحقيق اتساق النص وانسجامه وإظهار تفرده وبيانه، ولما له أيضًا من تأثير بالغ في تحريك الذهن في تقدير المحذوف وملء فراغاته بالحروف.
إن اهتمام كتب التفسير لا سيما تلك التي اهتمت بالمعاني اللغوية لألفاظ القرآن الكريم، مثل (معاني القرآن) للفراء، و(معاني القرآن) للأخفش، و(معاني القرآن) للزجّاج، و(مجاز القرآن) لأبي عبيدة، جعلها منطلقًا صالحٍا لظهور تفاسير لغوية مهمة مثل (التفسير البسيط للواحدي)، وتفسير (الكشاف) للزمخشري، وتفسير (البحر المحيط) لأبي حيان، وتفسير أبي السعود) لأبي السعود، وغيرها من التفاسير التي اهتمت بالأساليب البلاغية والبيانية بشكل عام، وأسلوب الحذف بشكل خاص . على أن أسلوب الحذف كما فسره الإمام الرُّمَّانيُّ (المتوفى 384) في كتابه -النُّكت في إعجاز القرآنِ- (ص70)، هو :” إسقاطُ كلمةٍ للاجتزاء عنها بدلالةِ غيرها من الحالِ أو فحوى الكلامِ”، وقال “… والحذفُ: لا بدَّ فيه من خَلَفٍ يُستغنى به عن المحذوفِ”.
كذلك فسره الإمام عبد القاهر الجرجاني (المتوفى: 471هـ) في كتابه درج السور (ج 2 : ص35) فقال :” هو نوع من أنواع الإيجاز، فالحذف إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام، والفائدة منه أنه تذهب فيه النفس كل مذهب”.
و قد مثل على ذلك بقوله تعالى: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ} [آل عمران:133] إذ يقول: “أي: كعرض السماوات، وإنما حذف لعدم الإيهام”. وكذلك في قوله تعالى: {يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ} [آل عمران:175] فيقول: “وقيل: يخوف بأوليائه”. فحذف حرف الجر.
غير أن الإمام الطبري (المتوفى: 310هـ) يُعدُّ من أوائل المفسرين الذين أصلوا لهذا الأسلوب، وقال عنه : إن العرب تحذف من الكلام ما دل عليه الظاهر طلبًا للاختصار ، وقد ذكره مرارا في تفسيره، قال: يقول ذو الرمة في نعت حَمِيْرٍ:
فلمَّا لَبِسْنَ الليلَ أَو حِيْنَ نَصَّبَتْ
له مِنْ خَذَا آذَانِهَا وهُو جَانِحُ
ثم فسر موضع الشاهد فقال: “يعني: أو حين أقبل الليل”.
ومن المفسرين الذين تعرضوا -أيضًا- لأسلوب الحذف في القرآن الكريم ابن عطية -رحمه الله- وذلك عند تفسير قوله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً} [هود: 17] (1). قال: “وفي هذه الآيةِ مُعادلةٌ مَحذوفةٌ يقتضيها ظاهرُ اللفظِ، تقديرهُ: أَفَمنْ كانَ على بينةٍ مِن ربِّهِ كمَن كفرَ بالله وكذَّبَ أنبياءَه. ونحو هذا – في معنى الحذفِ – قوله عَزَّوَجَلَّ: {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد: 31] (2) لكانَ هذا القرآنُ. ومن ذلك قول الشاعر:
فأُقْسِمُ لو شَيءٌ أَتانا رَسُولُهُ
سِواكَ ولكنْ لَمْ نَجِدْ لكَ مَدْفَعا
التقديرُ: لرَددنَاهُ ولم نُصْغِ إليهِ”.
ومن باب الفائدة؛ ثَمَّ نوع آخر من الحذف أطلقوا عليه “الحذف التقابلى” وهو ما يعرف عندهم بـأسلوب “الاحتباك”، وهو: أن يتقابل كلامان يحذف من كل واحد منهما ما يدل عليه المذكور في الآخر لوجه بلاغي.
وهذا الأسلوب موجود أيضًا بكثرة في القرآن الكريم، وأكثر من عني به الإمام البقاعي في تفسيره (نظم الدرر)، وقد ذكره عشرات المرات. قال البقاعي:” وهو فن عزيز نفيس؛ وقد جمعت فيه كتاباً حسناً ذكرت فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام الفقهاء وسميته «الإدراك لفن الاحتباك”.
أنواع الحذف
الحذف في باب المبتدأ والخبر: قال الإمام ابن يعيش في “المفصل”: “اعلمْ أنَّ المبتدأ والخبر جملة مفيدة تَحصل الفائدة بمجموعهما، فالمبتدأ معتمد الفائدة، والخبر محلُّ الفائدة، فلا بد منهما، إلاَّ أنه قد توجَد قرينة لفظيَّة أو حاليَّة تغني عن النُّطق بأحدهما، فيحذف لدَلالتها عليه. قال الإمام ابن مالك:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا
تَقَولُ: زَيْدٌ بَعْدَ مَنْ عِندَكُمَا
الحذف في باب المفعول المطلق: ذكر النحاة أنه يجوز حذف المفعول المطلق في غير موضع التوكيد، لأن المفعول المطلق المبين للتوكيد لا يحذف، في حين أن المبين للنوع والعدد هناك حالات يجوز فيها الحذف، كما توجد حالات يجب حذفه كما في الأمثلة التالية:
يجوز حذفه إذا دل عليه دليل حالي أو مقالي، مثل قول قائل: (بلى، جلوسًا طويلًا)، أي (جلست جلوسا طويلا) جوابا على من سأل (ما جلست؟ أو لم تجلس)، وأيضا لمن قدم من السفر نقول له: (قدومًا مباركًا)، أي (قدمت قدومًا مباركًا).
الحذف في باب المنادى: والمنادى من منصوبات الأسماء التي أشار النحاة إلى وجود الحذف فيها؛ لأنَّ حُكم المنادى هو النصب – حُكمًا أو تقديرًا – وعامل النصب فيه؛ إمَّا فعل محذوف وجوبًا تقديره: “أدعو”، ناب حرف النداء منابَه، وإمَّا حرف النداء نفسه؛ لتضمُّنه معنى “أدعو”، وعلى الأول، فهو مفعول به للفعل المحذوف، وعلى الثاني فهو منصوب بـ”يا” نفسها.
فأصل “يا زيدُ”: “أدعو زيدًا”، فالمنادى في محلِّ نصب على المفعوليَّة؛ لأنه مفعول به في المعنى، وناصبُه فعل محذوف تقديره: “أدعو”، كما يجوز حذف حرف النداء جوازًا في نحو: “يا زيدُ أقبلْ”، فتقول: “زيدُ أقبل”، وفي “يا عبدَ الله ارْكَب”: “عبدَ الله اركب”.
الحذف في باب التحذير والإغراء: وهذا باب الحذف مذكور فيه أيضًا، والدليل على ذلك أنَّ النحاة عند تعرُّضهم لهذا المبحث، يعرِّفون أسلوب التحذير بأنه: “اسم منصوب معمول للفعل “أُحَذِّرُ” المحذوف ونحوه، ومنه قول الشاعر:
بَيْنِي وَبَيْنَكَ حُرْمَةٌ
اللَّهَ فِي تَضْيِيعِهَا
بنصب لفظ الجلالة “اللَّهَ” بعامل محذوف تقديره: احْذَر الله، أو اخْشَه، أو اتَّقِه، أو نحو ذلك.
ولأسلوب الإغراء صُوَر مختلفة، منها: صورة الأمر، كالذي في قول الشاعر:
وَاحْذَرْ مُصَاحَبَةَ الدَّنِيِّ فَإِنَّهَا
تُعْدِي كَمَا يُعْدِي الصَّحِيحَ الأَجْرَبُ
ومنها صورة النهي، كقول الأعرابي في لُغته وقد فتنته:
والتقدير أن يقال إن كان هذا الكتاب من عند الله ثم كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على صحته ثم استكبرتم لكنتم من الخاسرين ثم حذف هذا الجواب، ونظيره قولك إن أحسنت إليك وأسأت إلي وأقبلت عليك وأعرضت عني فقد ظلمتني، فكذا هاهنا التقدير أخبروني إن ثبت أن القرآن من عند الله بسبب عجز الخلق عن معارضته ثم كفرتم به وحصل أيضًا شهادة أعلم بني إسرائيل بكونه معجزا من عند الله فلو استكبرتم وكفرتم ألستم أضل الناس وأظلمهم، واعلم أن جواب الشرط قد يحذف في بعض الآيات وقد يذكر، أما الحذف فكما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى} [الرعد: 31] وأما المذكور، فكما في قوله تعالى: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل} [فصلت: 52] وقوله: {قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدًا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء} [القصص: 71] .
فوائد الأسلوب
لأسلوب الحذف فوائد جمة لا يتسع المقام لبسطها ،وقد ذكر له الإمام الرازي-رحمه الله- في تفسيره فوائد كثيرة، نقتصر على بعضها خوفا من الإطالة والملل.
من أهم مقاصد أسلوب الحذف في اللغة العربية هو التخفيف والاختصار؛ وهو غرض أصيل عند العرب في كلامهم فكل ما استثقلوه حذفوه. قال الإمام الفخر الرازي :” وهذا الحذف كثير؛ يقول الرجل بَعد طول الْعتاب لِصاحبه، وتعدِيده عليه ذنوبه بعد كثرة إحْسانه إِليه أَمنْ قلة إحْساني إليك أَمِنْ إِهانتي لَكَ؟
ومثال ذلك قوله تعالى: { يوسف أعرض عن هذا } [يوسف: الآية 2] فحذف أداة النداء استخفافا.
الإيجاز: حيث يحذف كل ما يمكن للسامع أن يفهمه أو يدركه بالقرائن الموجودة، مثل قوله تعالى: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة}. قال الإمام الرازي : ” قوله: يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَلَغَ بِيَحْيَى الْمَبْلَغَ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُخَاطِبَهُ بِذَلِكَ فَحَذَفَ ذِكْرَهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ”.
الاتساع: وهو غرض من أغراض استعمال أسلوب الحذف، وينتج عن نوع من المجاز بسبب نقل الكلمة من حكم كان لها إلى حكم ليس بحقيقة فيها، مثل قوله تعالى: {واسأل القرية} يوسف، الآية 82، والتقدير واسأل أهل القرية وأهل العير . و الاتساع هنا أنه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح سؤاله.
التفخيم والتعظيم: و ذلك بتفخيم شأن المحذوف و إعظام قدره، ويأتي هذا بكثرة في المواضع التي فيها التعجب أو التهويل، مثل قوله تعالى: {وحتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها }الزمر، الآية 73، فحذف الجواب لأن وصف ما يجدونه في الجنة لا يتناهى.
التحقير: ودلالتها عليه من إطلاق اسم الملزوم وإرادة اللازم؛ لأن الاستفهام عن الشيء يستلزم الجهل به، والجهل به يستلزم تحقيره. فتحقيـر المحذوف يحذف من الكـلام و يصان اللسان عن ذكره، مثل قولـه تعالى: {صم بكم عمي} طه، الآية 78، أي هم المنافقون .
قصد البيان بعد الإبهام: ويتحقق هذا في حالة وقوع الشرط، مثل قوله تعالى: {وَلَوْ شَاء الله لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }الزمر 73، فمفعول المشيئة محذوف تقديره ولو شاء الله هدايتكم لهداكم.
الإبهام: وفيه يتعمد المتحدث الحدف حتى لا ينصرف ذهن المستمع، مثل قوله تعالى : {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} فلا يهم فاعل التحية المهم حدث التحية نفسه.