مقالات

“زها حديد بنت العراق التي أعادت تشكيل العالم هندسيًا” محمد الخضيري مشهدي – الإمارات

محمد الخضيري مشهدي
زها حديد
أحد إنجازات زها حديد

​في العادة نميل إلى اختزال الأسماء الكبيرة في صفة مهنية واضحة: شاعر، روائي، مهندس، مفكر، لكن بعض الأسماء تقاوم هذا الاختزال، وزها حديد واحدة من هذه الحالات النادرة، فحين يذكر اسمها اليوم لا يتبادر إلى الذهن مجرد مهندسة معمارية عراقية ناجحة، بل يتبادر شيء آخر: فكرة مختلفة عن العمارة نفسها.
​زها حديد التي ولدت في العام 1950 في بغداد، تلك المدينة التي منحتها أولى بذور التطلع نحو الأفق، ورحلت عن عالمنا في عام 2016 تاركة خلفها ثورة بصرية لا تنطفئ. نشأت في بيت يقدر العلم والحداثة، ثم انطلقت إلى لندن لتصقل موهبتها في الجمعية المعمارية، حيث بدأت برسم عوالم ظن الكثيرون أنها ستبقى حبرًا على ورق، لكن إصرارها حوَّل تلك الخطوط المستحيلة إلى واقع ملموس، لتصبح أول امرأة تنال جائزة “بريتزكر” التي تعادل “نوبل” في الهندسة.
​لقد جاءت زها حديد إلى هذا المجال في لحظة كان فيها العالم المعماري قد استقر تقريبًا على مجموعة من القواعد التي بدت وكأنها نهائية. الخط المستقيم هو القاعدة، والزوايا الحادة علامة النظام، والمبنى في النهاية كتلة صلبة تؤدي وظيفة محددة. بدا كل شيء محسومًا تقريبًا،​لكن ما فعلته زها حديد لم يكن تطويرًا صغيرًا داخل هذه القواعد، بل كان أقرب إلى مساءلتها من الأساس، ​ففي تصاميمها لم تعد المباني مجرد كتل قائمة، بل أشكال تتحرك في الفضاء. خطوط تنساب بدل أن تنكسر، ومساحات تتداخل بدل أن تنغلق على نفسها. وكأنت العمارة، فجأة، تخلت قليلًا عن صلابتها القديمة وسمحت للخيال بأن يتدخل في تشكيلها.
​لهذا بدا كثير من أعمالها، منذ البدايات، غريبًا بعض الشيء على الذائقة المعمارية التقليدية، ليس لأنها تبحث عن الاختلاف لمجرد الاختلاف، بل لأنها تنطلق من تصور آخر للمبنى نفسه.. تصور يرى أن العمارة يمكن أن تكون تجربة بصرية وثقافية، لا مجرد حل هندسي لمسألة وظيفية، ​وربما لهذا السبب تحديدًا احتاج العالم بعض الوقت ليتصالح مع لغتها المعمارية، فالأفكار الجديدة، في العادة، تبدو في بداياتها أقرب إلى المغامرة منها إلى القاعدة، لكن ما كان يبدو مغامرة بالأمس أصبح اليوم جزءا من مفردات العمارة المعاصرة.
​ومع تطور أدوات التصميم الرقمي والهندسة الإنشائية، وجد خيالها أخيرًا الوسائل التقنية التي تسمح بتحقيق كثير من تلك الأشكال التي بدت، في وقت ما، أقرب إلى الرسوم التجريدية منها إلى المباني الواقعية، غير أن التكنولوجيا هنا لم تكن أكثر من وسيط. أما الفكرة فكانت موجودة منذ البداية:  العمارة لا يجب أن تظل أسيرة الأشكال التي اعتدناها.
​ومع مرور الوقت لم تعد زها حديد مجرد اسم لامع في قائمة المعماريين العالميين، بل تحولت إلى مرجع إلهام لجيل كامل من المصممين الشباب الذين بدأوا هم أيضًا في اختبار حدود الممكن داخل العمارة.
​وهنا تحديدًا يكمن جوهر أثرها، فالأهمية الحقيقية لتجربتها لا تقاس بعدد المشاريع التي صممتها — رغم أنها كثيرة ولافتة — بل بطريقة التفكير التي ساهمت في ترسيخها. لقد أعادت فتح سؤال بدا وكأنه أُغلق منذ زمن: هل المبنى مجرد مأوى منظم، أم يمكن أن يكون أيضًا شكلًا من أشكال الخيال المجسد؟
​ربما لهذا لا يبدو إرث زها حديد مجرد مجموعة من المباني المدهشة المنتشرة في مدن العالم. الإرث الأعمق هو تلك الجرأة التي أعادت إلى العمارة شيئًا من روح المغامرة الفكرية، ​ولهذا أيضا، حين نتحدث عنها اليوم، فنحن لا نتحدث عن مهندسة معمارية كبيرة فحسب، بل عن عقل تخيل العالم بطريقة مختلفة قليلًا… ثم أقنع العالم بأن هذا الخيال يمكن أن يتحقق. تجلي هذا التحقق في عدد من مشاريعها مثل “مركز حيدر علييف” في باكو؛ هذا الصرح الذي يبدو وكأنه موجة من الضوء انبعثت من الأرض لتستقر في الفضاء، حيث تذوب الحدود بين السقف والجدران والأرضية في تدفق بصري واحد، محطمًا مفهوم “العلبة” التقليدية للمباني، ليصبح المركز لا مجرد بناء، بل رحلة انسيابية تجسد هوية ثقافية تنظر نحو المستقبل وهذا هو مكمن عبقريتها المتفردة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى