مقالات

“ما هكذا تُورَدُ الإبلُ يا سعدُ..” وجيه حسن – الإمارات

نقل إليَّ همَّه وشكواه بلغة طفوليّة بريئة، فيها نقاء قطرة المطر، وعبير زهرة في نيسان، وقرأت في عقله الصّغير المُنَمْنَم، بل الواسع المشرق، أقول: قرأت كلّ وجع الطّفولة ومعاناتها واستنفارها، ولمّا طلبت إليه أنْ يفصح أكثر فأكثر، أجاب ببراءة طفوليّة طاهرة:

  • إنّ معلّمنا غير المحبوب يشتمنا، ويهزأ بنا، أنا لا أحبّه، لا أحبّ دروسه، ولا حضوره، ولأتفه الأسباب يُوبّخنا، ويُقرّعنا…

  قرأت هذه الشّكوى الطفوليّة في صوت هذا الصّغير وعينيه وخجله، قلّبت نفسي على جمر الموقف، قفزتْ إلى مضمار ذهني كلماتٌ غزيرةٌ غاضِبَة، تحمل في جعبتها كلّ سِهام العتب والأسَى واللّوم، لكنّني – وخوفاً على شفافيّة الطفولة وبراءتها وطهارتها – كنتُ ألجم غضب الكلمات عنِ الجموح والانطلاق، وفي سرّي كنتُ أقول:  “كلّ الكلمات ستكون حرثاً في البحر، وضرباً للهواء من غير فائدة، فالتكلّس في العقل واللّسان لدى بعضهم، يسدّ عليهم كلّ المنافذ والطّرقات والخيارات”..

 وأضفت: “ما هكذا تُورَدُ الإبلُ يا سَعْدُ”! “ما هذا يا معلّم الأجيال الصّاعدة؟ وهل يمكن لمعلّم يتمتّع بهذه المواصفات العجائبيّة، وهذه المواقف الاستثنائيّة، أنْ يبنيَ جيلاً واعياً، وأنْ يقدّمَ أيّة عافيةٍ للمجتمع، وللوطن، وللأطفال عامّةً”؟

لدى سماع هاتِهِ الشّكوى الطفليّة، رغماً عنّي، وقعت في مصائدِ الحيرة والضّجر، ماذا أصنع الآن، والسّؤال دخل “مرمى الحراسة” في “ملعب العقل”؟

  أأقولُ لهم:

– هل وضع أحدُكم على كرسيّ الجلوس بعض “اللّبان” مثلاً، فأفسد على المعلّم جلسته؟

  – أم أنّ أحد الأطفال المُشاغِبين الأشقياء، رشّهُ بحبرٍ أسودَ على قَفا قميصه الأبيض، فأُسقِط في يده، وأصابه وقتها مَسٌّ من جنون الغضب والهيجان والزَّعَل؟

  – أم لأنّه طلب إليكم، أنْ تسُوقوا إليه بعض الهدايا الثّمينة، بمناسبة عيد المعلّم، فامتنع أهلوكم عن تلبية طلبِه، بحجّة أنّ هذا ليس أسلوباً تربويّاً صحيحاً؟

  – أم لأنّه لم يشأ أنْ يشرح معلومات الدّرس الجديد، لِظرفٍ يخصّه وحده، فما كان منه إلّا أنْ أزعجكم، وأفاض في ذلك كثيراً، لتذهبَ دقائق الحصّة هدراً واغتيالاً في وضح الشّمس “رائعة النّهار”؟

  – كيف أردّ عليك يا بنيّ، وأمثال هذا المعلّم المُربّي ـ وللأسف ـ تدعو إلى الغثيان والتذمّر والأسَى والرّفض؟!

 – كيف أجيبك يا بنيّ؟ وهل كلماتي هذه وسواها، ستقطع دابر الألفاظ السّوقيّة الخَشِنَة لِمعلّمٍ و “مُرَبٍّ” كهذا؟ وهل تغسل الصّدأ العالق في عددٍ من لحوم الألسنة، وصفحات النّفوس؟

  – ماذا أقول لك يا بنيّ، وأنا أشاطرك وجع الطّفولة، جرحَها النّازف، وأتحسّر على يومٍ دراسيٍّ، أو على حصّةٍ دراسيّةٍ تذهب هدْراً وهباءً، وفي ضياع الحصص ضياعٌ لكثيرٍ من عافية الوطن، وارتقائه، ونهوضه؟!

  هنا يَرِدُ القول: كلّ إدارات الدّنيا التربويّة والتعليميّة والمسلكيّة، لا تعترف بهذا الشّخص الاستثنائيّ مُربّياً ولا مُعلّماً، لأنّ في عقل المربّي الحقّ قواميسَ من رياحين المحبّة، وصفاء النّفس، وبلاغة الإيثار، وأنباض الإخلاص، ولأنّه الربّان الذي يقود “السّفينة” في المجتمع إلى برّ الأمان والنّور، بل وفي صدره معاجمُ من الألفاظ الليّنة العذبة المُشَجِّعة، التي تجعل النّفس متلألئة من الدّاخل، تدعو أبناءنا “ذكوراً وإناثاً” للمجيء إلى المدارس والمعاهد والجامعات ودُور العلم بكلّ الحبّ والرّغبة والاندفاع والإمتاع والحماسة…

  ولم يكن أيٌّ من المعلّمين “أو المدرّسين” مدعوّاً، بأيّ وقت من الأوقات، لتكريس الجهل والظّلام والغمّ، وتضييع الجيل الصّاعد في دروبٍ وَعِرَة، وفي ليالي العقول الشّاحِبة..

يقول أحدُ المُربّين الصّلَحاء: (إنّنا كمعلّمين “ومدرّسين” مُطالَبون بأن نغسل ألسنتنا وعقولنا وقلوبنا – ودائماً – بالماء والصّابون، حتّى تخرج كلماتنا ناصعة “ثلجيّة” مُعافاة، فيها نقاء الطّفولة وعذوبتها وعافيتها)..

 وكلمتك يا بُنيّ: (فَليرَبِّ المعلّم “المدرّس” نفسَه قبل تربية غيره)، فيها من الصّدقيّة والإشراق والعفويّة والمغزى ما فيها!

 فهلّا أخذْنا بنصيحة هذا الطفل المتفتّح الذكيّ؟ وهلّا اعتبرنا كلماته النقيّة دليلَ عملٍ لنا في قابِلات الأيام، وفي المستقبل المنشود؟ حتى تبقى صورة المعلّم/ المعلّمة في أذهان التلاميذ والطلبة، صورة الحبّ والنّقاء والسّموّ والإشراق، وحتّى تكون مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا ومؤسّساتنا التعليميّة بحقّ وحقيقة مصادرَ إشعاع تربويّ باصِم؟!

 ثمّ ألمْ يرِد في أدبيّاتنا الاجتماعيّة أنّ: “فاقد الشّيءِ لا يُعْطِيه”؟!

  وقال أحدهم: “سلاح الأطفال الشّكاية”، فهل من آذانٍ تسمع، وهل من عقولٍ تَرْعَوِي؟ وهل من قوانين ذاتيّة بالدّرجة الأولى، تمنع التّجاوز – مهما كان شكله ودرجته – على براءة الطفولة وعذوبتها والنّقاء؟

ما سِيق آنفاً، أيّها القرّاء الأعزّاء، إنّما وردَ من باب التّذكير والتّنبيه، وليس من باب الأَسْتَذَة والتّنظير والتّلقين، لا سمحَ الله، ولا قدّر، والرّأي والحُكْم عندكم، بدْءاً وانتهاءً.

                                              

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى