قال جالينوس: يحتاج السَّمعُ أن يرق بالصوت المونق[المُعجب]. كما يحتاج البدن إلى اعتدال الطبائع، والغناء غذاء السمع كما أن الطعام غذاء البدن، فقد نرى أهل الصناعات الذين يكدّون برًا وبحرًا إذا خافوا الملالة والفتور ترنموا وشغلوا أنفسهم بذلك عن ألم التعب. ونرى الشجعان وأبناء الحروب قد احتالوا بنفخ أنواع البوقات وقرعوا الطبول لتهون عليهم الشدائد، ونرى أهل العبادة والرهبانية يبكون على خطاياهم بالألحان الشجية يستريحون إلى ذلك”.
وقد حدّث الوليد بن سلمة عن ابن جرير عن عطاء عن عبيد بن عمير الليثي، قال: كانت لداود النبي عليه السلام معزفة فكان إذا أراد أن يبكي ضرب بها، فردد صوته فبكى وأبكى.
وحدّثوا عن ابن عبّاس قال: كان داود يقرأ الزبور ثلاثين صوتًًا يطرب منهن المحموم، وكان إذا كان أخر الليل فأراد أن يبكي نفسه لم يبقَ حوله دابّة ولا وحش إلا بكى لبكائه، ورووا أنه كان يزمر بمزمارة عند ملك بني إسرائيل فيسكن ما كان به من الخبل والمسّ.
ونرى الطفل يرتاح للغناء، ويستبدل ببكائه ضحكًًا، ونرى الإبل يحدو بها الحادي فتمعن في سيرها، ونرى الراعي يرفع يراعه فتجد الشاة في رعيها وتصفر الفرسان في المشارع فتجد الدوابّ في شربها، وقديمًا قالوا: إنّ الدوابّ لا تجيد الشّرب إلّا على الصّفير.
أنواع الرقص
قالوا: ويجب ألا يغتر المرء بالمظاهر الخداعة، فقد يكون جمال الوجه أو البسمة أو مدهون الكلام خداعًا، فليس كل ما يلمع ذهبًا. وعلى حد قول المتنبي :
إذا رأيت نيوب الليث بارزة
فلا تظنن أن الليث يبتسم
وقول آخر:
لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب فالطير يرقص مذبوحًا من الألم
شبه هيئة المتألم يضطرب من شدة الألم بهيئة الحيوان الذبيح يرقص لشدة ما يعانيه من آلام الذبح، بجامع هيئة المتألم المضطرب، وهو تشبيه تمثيل لجريانه في الهيئات، ومجمل لعدم التصريح بالوجه، وغريب لخفاء الوجه ودقته، والتشبيه فيه ضمني لا صريح، على أنه لا يعنينا من أنواع الرقص والترقيص إلا ما يمس أغاني المهد وترقيص الأطفال حيث كانت، فإنها لغة عالمية يشترك فيهل كل القبائل والشعوب؛ بلغت ما بلغت من الحضارة والصعود في مدارجها، أو البداوة والنزول في مداركها.
الرَّقْصُ -كما عَرَّفَه ابْنُ عَابِدِينَ-: هو التَّمَايُل، وَالْخَفْضُ، وَالرَّفْعُ بِحَرَكَاتٍ مَوْزُونَةٍ، وهيئة ترقيص الأمُّ ولدَها هي: أرجحته على ركبتيها أو بين ذراعيها، وهذا الموضوع ألصقُ ما يكونُ بمواضيع “الشعر الشعبي”، أو ما يسمى حديثا بالدراسات “الأنثروبولوجية”، وهي أكثر ما تعنى؛ بدراسة الإنسان من جهة تكوينه الطبيعي، والثقافي، والاجتماعي.
وقد أولى بعض الأساتذة والباحثين مثل هذه الدراسات أهمية كبرى، قال د. ناصر الدين الأسد- إلى – :”… إن معرفة حقيقة قومنا في أمسهم، وتتبعهم في تاريخهم، تتبعاً نتلمس به نفوسنا، ونتقرى منه كياننا، وندرك فيه مقوماتنا، فنستطيع بهذه المعرفة أن نشق حاضرنا إلى غدنا على هدى وبصيرة”.
ويرى باحث آخر أنها جانب مهم من جوانب حياة الأمة، حيث تصور عاداتها وتقاليدها، وتعكس صورًا من صور حياتها الاجتماعية؛ إنْ في جوانبها الثقافية، أو التربوية، أو الأخلاقية.
لذلك؛ رأينا السلف من علمائنا يوليه عناية كبيرة، فقلما تقرأ كتابًا من كتبهم إلا وتجدُ فيه بابًا أو أبوابًا من ذلك.
جاء في كتاب “الآداب الشرعية”: ” فَصْلٌ: فِي اسْتِحْبَابِ الِانْبِسَاطِ وَالْمُدَاعَبَةِ وَالْمُزَاحِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ”
قال أبو عثمان الجاحظ (ت ٢٥٥هـ) :”وأمر الصّوت عجيب، وتصرّفه في الوجوه عجب. فمن ذلك أنّ منه ما يقتل، كصوت الصاعقة. ومنها ما يسرّ النفوس حتى يفرط عليها السّرور؛ فتقلق حتى ترقص، وحتّى ربما رمى الرّجل بنفسه من حالق. وذلك مثل هذه الأغاني المطربة.
ومن ذلك ما يكمد، ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه الأصوات الشجية، والقراءات الملحّنة. وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. وقد بكى ماسرجويه من قراءة أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدّق به؟ قال: إنما أبكاني الشجا! وبالأصوات ينوّمون الصّبيان والأطفال.(الحيوان 4/353).
وقال شهاب الدين، محمد بن أبي الفتح الأبشيهي صاحب “المستطرف في كل فن مستظرف” (ص392): “وزعم أهلُ الطب؛ أن الصوت الحسن يجري في الجسم مجرى الدم في العروق، فيصفو له الدم، وتنمو له النفس، ويرتاح له القلب، وتهتز له الجوارح، وتخف له الحركات، ولهذا كرهوا للطفل أن ينام على أثر البكاء، حتى يرقص ويطرب. وزعمت الفلاسفة: أن النغم فصل بقي من النطق لم يقدر اللسان على استخراجه، فاستخرجته الطبيعة بالألحان على الترجيع لا على التقطيع، فلما ظهر عشقته النفس وحنت إليه الروح، ألا ترى إلى أهل الصناعات كلها إذا خافوا الملالة والفتور على أبدانهم ترنموا بالألحان، واستراحت إليها أنفسهم، وليس من أحد كائنا من كان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعجبه طنين رأسه، ولو لم يكن من فضل الصوت الحسن إلا أنه ليس في الأرض لذة تكتسب من مأكل ولا مشرب ولا ملبس ولا صيد إلا وفيها معاناة على البدن، وتعب على الجوارح ما خلا السماع، فإنه لا معاناة فيه على البدن ولا تعب على الجوارح، وقد يتوصل بالألحان الحسان إلى خيري الدنيا والآخرة، فمن ذلك أنها تبعث على مكارم الأخلاق من اصطناع المعروف، وصلة الأرحام، والذب عن الأعراض والتجاوز عن الذنوب، وقد يبكي الرجل بها على خطيئته، ويتذكر نعيم الملكوت، ويمثله في ضميره، ولأهل الرهبانية نغمات، وألحان شجية يمجدون الله تعالى بها، ويبكون على خطاياهم، ويتذكرون نعيم الآخرة… ألا ترى إلى الأم كيف تناغي ولدها، فيقبل بسمعه على مناغاتها، ويتلهى عن البكاء”.
وأول من ألف كتابًا بهذا العنوان “المرقصات” هو الإمام محمد بن المعلى الأزدي، من علماء القرن الرابع، ويفهم من عنوانه؛ أنه منتخبات من أغاني المهد، أو ترانيم الأطفال، التي كانت تجري على ألسنة العرب مناغاةً لأطفالهم.
ومن يقرأ الكتاب، يعلم أن ذلك لم يكن غرض المؤلف الأول، بل كان غرضه هو الشعر المطرب أو المرقص، وهو الشعر الذي لا يملك سامعه إلا الطرب والاهتزاز، لذلك ضمه منتخبات مستطرفة من الشعر، والكتاب إلى جانب ذلك خزانة علم وأدب، ومعين ثر للنوادر اللغوية.
وشعر الترقيص بابٌ من أهم أبواب الشعر العربي وهي: المديح والهجاء، والرثاء، والحكمة، والحماسة، والسياسة، والتشبيب، والوصف، والهزل، وشعر الحكاية، والشعر العلمي، وهو الذي تنظم فيه المتون، وشعر الترقيص أو شعر المهد؛ كما يحلو للبعض تسميته فَرَّقَ فيه العربُ فيما كانوا يفرقون فيه بين الذكر والأنثى، فما يُغنى فيه للذكر، غير ما يغنى فيه للأنثى، ولا يخفى على العاقل ما لهذا من دلالات نفسية، وإيحاءات اجتماعية، وحياة كان يحياها السواد الأعظم من الناس.
أما شعر الترقيص ذاته؛ فقد اتسم بخصائص فنية تميز فيه عن أبواب الشعر الأخرى!
على أنه مُكَوِّنٌ مُهم من مكونات حضارة الشعوب؛ فهو يتسلل لواذا في حنايا تاريخها الثقافي ، ويتدسس في خبايا تاريخهم الاجتماعي، حيث تتوارثه الأجيال كابرا عن كابر، وهو مزيج من الكلمات والألحان التي يتضوع منها عبق العادات والأعراف والتقاليد.
وتعدُّ أغنية المهد طقسًا اجتماعيًا عالميا؛ يمارسه الآباء والأمهات بشكل فطري، كلٌّ على طريقته وثقافته. وليس ثمة بيت عربي أو أعجمي، أحمر أو أسود إلا وآنس حجراته غناءُ المهد، وأبهج أفنيته مرح الطفولة في اللعب والجد. فكل منا يحمل ما يتردد في داخله ما وقر في سمعه من أراجيز أمه أو اهازيج أبيه، أو ترانيم أخته وأخيه؛ ترانيم ترشح منها مشاعر الحب، ومعاني العطف، وأحاسيس الحنان.
ومن منا لا يذكر تلك الأغنية التي طالما كان يسمعها من أمه وهي تهدهده في حجرها:” يا الله تنام، يا الله تنام ريما يا الله يــــــــجيها النوم
يا الله تحب الصلاة يا الله تحب الصوم
يالله تجيها العوافي كــــل يوم بيوم
يالله تنام يلا تنام لاذبحلها طير الحمام
روح يا حمام لا تصدق بضحك ع ريما لتنام
ريما ريما الحندقة شعرك أشقر ومْنَقى
واللى حبك ببوسك واللى بغضك شو بيترقى.
واسم “ريما” هنا يتغير بحسب اسم الطفل الذي يُغنى له.
وهذه الأغنية تشيع في بلاد الشام، ومنها فلسطين، وقد توجد في مصر وبلاد أخرى بحسب اللهجات هناك.
أما العرب قديمًا فكانوا يرقصون الصبي بقولهم:” حَدَارِجُ ندارج، وقد وعيت على أمي -يرحمها الله- تقول وهي ترقص أحفادها وأسباطها:”حدارجة بدارجة، من كل عين سارجة”.
وهي أيضًا من ألعابنا الشعبية القديمة في فلسطين وغيرها من الدول العربية الأخرى.
ومما ينسب إلى حليمة السعدية-رضي الله عنها- مما كانت ترقّص به النبي صلّى الله عليه وسلّم: (يَا رب إِذْ أَعْطيته فابقه
واعله إِلَى الْعُلَا وارقه
وادحض أباطيل العدى بِحقِّهِ)
وكانت الشيماء أختُه من الرضاعة تحضنه وترقصه وتقول:
هذا أخ لم تلده أمي
وليس من نسل أبي وعمي
فديته من مخول معمي …
وقالت:
يا ربنا ابق لنا محمدا
حتى أراه يافعًا وأمردا
ثم أراه سيّدا مسوّدّا
واكبت أعاديه معًا والحسّدا
وأعطه عزًا يدوم أبدا
فكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول: ما أحسن ما أجاب الله دعاها.
وكان عبد المطلب يُرقّص ابنه الحارث أو الزّبير:
يا بأبي يا بأبي يا بأبي
كأنّه في العزّ قيس بن عدي
والزبير، هو أكبر أعمام النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُرقِص النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو طفل ويقول:
مُحَمَّد بن عبدم
عِشْت بعيش أنعم
فِي دولة ومغنم
دَامَ سجيس الأزلم
أي أبد الدهر. قوله: “محمد بن عبدم” قيل أنه أراد ابن عبد المطلب كما قال الآخر: قلت لها: قفي، فقالت: قاف، والصحيح أنه أراد ابن عبد، وزاد الميم كما تزاد في ابن، قال الشاعر:
لقيم بن لقمان من أخته
فكان ابن أخت له وابنما
قال الجاحظ :”…فقد نجد الرجل الحليم، والشيخ الركين، يسمع الصوت المطرب من المغني المصيب، فينقله ذلك إلى طبع الصبيان، وإلى أفعال المجانين، فيشق جيبه، وينقض حبوته، ويفدي غيره، ويرقص كما يرقص الحدث الغرير، والشاب السفيه”.
وقال الزّبير بن العوّام وهو يرقّص عروة بن الزّبير:
أبيض من آل أبي عتيق
مبارك من ولد الصّدّيق
ألذّه كما ألذّ ريقي
وقد جَاءَ في ملح الترقيص ما قَالَت أم فَرْوَة:
فدتك أم فروه
بِنَفسِهَا والثروة
من كل ذَات ندوه
صبّت عَلَيْهَا شَبوه
شَائِلَة من ربوة
عَشِيَّة أَو غدوه
وَيحك أم عروه
إِن كنت ذَات نبوه
فزلت ذَات هبوة
قال أبو محمد بن المعلى الأزدي في كتاب (الترقيص) : أخبرنا أبو حفص قال أخبرنا أبو بكر الثعلبي عن أبي حاتم قال: قال أبو العلاء العماني الحارثي: لرجل يرقص ابنته:
– (تمشي على متن شِراك أعْجَفَا … كأنما تَنشر فيه مُصحفا)
فقلت لأبي العلاء: ما معنى قول هذا الرجل قال: لا أدري قلت إن لنا علماء بالعربية لا يَخْفَى عليهم ذلك، قال فأْتهم، فأتيتُ أبا عُبيدة فسألته عن ذلك فقال: ما أَطْلَعَني الله على علم الغيب، فلقيت الأصمعي فسألتُه عن ذلك. فقال: أنا أحسب أن شاعرها لو سُئل عنه لم يَدْرِ ما هو، فلقيتُ أبا زيد فسألتهُ عنه فقال هذا المرقص اسمه المجنون بن جندب وكان مجنونًا ولا يَعْرِف كلامَ المجانين إلا مجنونٌ أسألتَ عنه أحدًا قلت: نعم فلم يعرفه أحدٌ منهم.
وقال بعض الأعراب وهو يرقص بعض أولاد الخلافة ويقول:
إنّا لنرجوك لتيك تيكا
لها نرجيك ونجتبيكا
هي التي نأمل أن تأتيكا
وأن يرى ذاك أبوك فيكا
كما رأى جدك في أبيكا
– وقال أعرابيّ يرقّص ابنا له:
يا ربّ ربّ مالك بارك فيه
بارك لمن يحبّه ويدنيه
ذكّرني لمّا نظرت في فيه
أجزع نور غربت أواخيه
والوجه لما أشرقت نواحيه
دينار عين بيد تبريه
وقال رجل يرقص ابنه ويعرض بزوجته:
وهبته من ذات ضغنٍ خبة
قصيرة الأعضاء مثل الضبة
تعيا كلام البعل الاسبة
فقالت:
وهبته من مرعشٍ من الكبر
شر نفح وريده مثل الوتر
بئس الفتى في أهله وفي الحضر
وقالت امرأة رقصت ابنها وعرضت بزوجها:
وهبته من ذي ثفالٍ خب
يقلب عيناً مثل عين الضب
ليس بمعشوق ولا محب
فقال زوجها:
وهبته من سلفع أفوك
سرح إلى جارتها ضحوك
ومن هبل قد عسا حنيك
أشيب ذا رأسٍ كرأسِ الديك
وقال قيس بن عاصم ينزي أنباله وأمه منفوسة بنت زيد الخيل جالسة تسمع:
أشبه أبا أمك أو أشبه عمل
وأرقاً إلى الخير زناء في الحبل
ولا تكونن كهلوفِ وكل
فقالت منفوسة:
أشبه أخي أو أشبهن أباكا
أما أبي فلن تنال ذاكا
تقصر أن تناله يداكا
قال الأصمعي: اتهم أعرابي امرأته وجاءت بولده أبيض وكان بنوه سوداً، فقال:
لتقعدن مقعد القصي
من ذوي القاذورة المقلي
أو تحلفي بربك العلي
أني أبو ذيالك الصبي
قد رابني ببصر رخي
ومقلة كمقلة الكركي
قالت: فقامت تمشط رأسه فقال:
لا تمشطي رأسي ولا تفليني
ما باله أحمر كالهجين
ليس كألوان بني الجون
فردت عليه فقالت:
أن له من قبلي أجداداً
بيض الوجوه سادة أنجاداً
ما ضرهم يوم لقوا عباداً
أن لا يكون لونهم سواداً
وقال أعرابي رقص ابنه وعرض بامرأته:
وهبت من أمة سوداء
ليست بحسناء ولا جملاء
كأنها خلفة خنساء
فقالت امرأته:
وهبته من أشمط المفارق
ليس بمعشوقٍ ولا بعاشق
وليس إن فارقني بنافق
قال: ” قالت امرأة ضربها زوجها فقيل لها لم ضربك فقالت طلب عندي ما لم يحلفه فضربني حتى ألثقني بالدم ولقد هجوته فقلت:
وزعم أهل الطب أن الصوت الحسن يسري في الجسم، ويجري في العروق، فيصفو له الدم، ويرتاح له القلب، وتنمو له النفس، وتهتز الجوارح، وتخف الحركات؛ ومن ذلك كرهوا للطفل أن ينوّم على أثر البكاء حتى يرقص ويطرب.
ليلى الاخيلية والحجاج
وقالت ليلى الاخيلية للحجاج حين سألها عن ولدها وأعجبه ما رأى من شبابه:
إني والله ما حملته سهوا، ولا وضعته يتنا، ولا أرضعته غيلا، ولا أنمته تئقا. تعني: لم أنوّمه مستوحشا باكيا؛ وقولها: ما حملته سهوا، تعني في بقايا.
– كان أبو فرعون الأعرابي يرقص ابنته ويقول:
بنيتي ريحانتي أشمها
فديت بنتي وعدمت أمها
– في الحديث: أنه كان يرقص الحسن والحسين ويقول:
حزقة حزقة
ترق عين بقه
وفي أنساب بني حَنجود رجلٌ يُرَقِّص ابنه مُقَلَّدًا:
مُقلَّد يُحِبُهُ فُؤَادِي
حُبَّ المُمَنيَّ الماءَ وهو صَادِي
بِغُدُوات نازحِ البِلَادِ
حَيْثُ يَضِلُّ الشَّمَّرِيُّ الهادِي
– وَكَانَ الشَّيْخ أَبُو الطّيب سهل بن أبي سهل الصعلوكي يَقُول: مَا كنت أعرف سَبَب رقص الصُّوفِيَّة حَتَّى سَمِعت قَول أبي الْفَتْح البستي الْكَاتِب: يَقُولُونَ ذكر الْمَرْء يحيا بنسله … وَمَا أَن لَهُ ذكر إِذا لمي كن نسل فَقلت لَهُم: نسلي بَدَائِع حكمتي … فَإِن فاتنا نسل، فَإنَّا بهَا نسلوا فكدت أرقص طَربا لحسنه، وَعلمت أَن الْكَلَام الْحسن يرقص!
وقال آخر:
– نادمت إخواني بدجلة ليلةً
والنجم في كبد السماء محلق
والبدر يضحك وجهه في وجهها
والماء يرقص حولنا ويصفق
وكان أبو بكر الخوارزمي يقول: عجبت ممن لا يرقص إذا سمع بيتي أبي عبادة البحتري وهما:
وأما الهزج فالخفيف الذي يرقص عليه، ويمشي بالدف والمزمار فيطرب، ويستخف الحليم، قال إسحاق: هذا كان غناء العرب حتى جاء الله بالإسلام، وفتحت العراق، وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم، فغنوا الغناء المجزأ المؤلف بالفارسية والرومية، وغنوا جميعًاً بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير.
قال الجاحظ: العرب تقطع الألحان الموزونة على الأشعار الموزونة، والعجم تمطط الألفاظ فتقبض وتبسط حتى تدخل في وزن اللحن فتضع موزوناً على غير موزون.
ويقال: إن أول من أخذ في ترجيعه الحداء مضر بن نزار؛ فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده فحملوه وهو يقول: وايداه، وايداه، وكان أحسن خلق الله جرماً وصوتاً، فأصغت الإبل إليه وجدت في السير، فجعلت العرب مثالاً لقوله هايدا هايدا يحدون به الإبل.
وزعم ناس من مضر أن أول من حدا رجل منهم، كان في إبله أيام الربيع، فأمر غلاماً له ببعض أمر، فاستبطأه، فضر به بالعصا، فجعل ينشد في الإبل ويقول: يايداه، يايداه، فقال له: إلزم إلزم، واستفتح الناس الحداء من ذلك الوقت.
وذكر ابن قتيبة أنهم قالوا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وحكى الزبير بن بكار في حديث يرفعه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم من بني غفار سمع حاديهم بطريق مكة ليلاً فمال إليهم: إن أباكم مضر خرج إلى بعض رعاته فوجدها قد تفرقت، فأخذ عصا فضرب بها كف غلامه، فعدا الغلام في الوادي وهو يصيح: وايداه، وايداه، فسمعت الإبل ذلك فعطفت، فقال مضر: لو اشتق مثل هذا لانتفعت به الإبل واجتمعت، فاشتق الحداد.
وقد يصدق على هذا النوع من الغناء مقاله الشاعر:
– لا تحسبوا أن رقصي بينكم طرب فالطير يرقص مذبوحًا من الألم
وقيل: من سعادة المرء أن يشبهه ابنه. وقيل: فلان ينظر عن عين أبيه ويبطش بيديه، وقال سعيد بن صمصمة يرقص ابنه:
أحبّ ميمون أشدّ حبّ
أعرف منه شبهي ولبّي
ولبّه أعرف منه ربّي
تأثير الغناء والصوت وإن لم يفهم
قال إسحاق الموصلي: أمر الصوت عجيب، منه ما يسر سرورًا يرقص، ومنه ما يبكي، ومنه ما يكمد، ومنه ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، وليس يعتري ذلك من قبل المعاني لأنهم في كثير من الأحوال لا يفهمون. وقد بكى ما سرجويه من قراءة أبي رضي الله عنه، فقيل له: كيف تبكي لكتاب لا تصدق به؟ فقال: أبكاني الشجا، وقد تسكن النفوس إليه وذلك موجود في أكثر البهائم والدواب، إذا غنى المكاري صرّت آذانها.
وقد أبان عن هذا المعنى بعضهم فقال:
أرقصني حبّك يا بصبص
والحبّ يا سيدتي يرقص
وحكى الأصمعي قال: كنت ببعض البوادي، فمررت بشيخ وبين يديه صبي وصبية، وهو يرقص الصبية، وينشد:
بنيتي ريحانتي أشمُّها
يعجبني التزامها وضمُّها
فديتُ بنتي وفديت أمها
فقلت له أما لهذا الصَّبي فيما أنت فيه حظ؟ فقال بلى قد أخذ حظ، فقلت ما اسم الصبي؟ فقال: حكيم، قلت فهل قلت فيه شيئاً قال نعم، وأنشد :
يقرُّ بعيني، وهو ينقص مدَّتي
مرور الليالي إن يشبَّ حكيمُ
مخافة أن يغتالني الموت دونه فيغشى بيوت الحيِّ، وهو يتيمُ
ثم فارقته برهة من الدهر، وغدوت، وإذا بالشيخ جالس، وقد كبر فدنوت منه وسلمت عليه، وسألته عن ولده “حكيم”، فقال: هو سيد أهل الحي اليوم فقلت: كيف هو معك مما كنت معه في صغره فأنشد:
فديتك من رايحٍ يعتدي
إذا ما البيوتُ اكتسيْنَ الجليدا
كفيتُ الذي كنت أكفيتهُ
فصرتُ أبالي وصرتُ الوليدا
وغبت عنه مدة، وعدت، وإذا به خارج بين يديه جنازةٌ، فقلت: يا شيخ ما صنع “حكيم”، فقال مات “حكيم”:
لقد كنت أرجو من حكيم إيابهُ
عليَّ إذا ما النعشُ، ولَّى تدانيا
فعجَّل قبلي يومهُ فارتديتهُ
فيا شؤم نفسي من رداءٍ عدانيا
ثم أنشد:
يا مؤنسًا سكن الثرى وبقيتُ
لو كنت أنصف إذ فنيتَ فنيتُ
الحيُّ يكذب لا صديق لميّتٍ
لو كان ذاك يُميت سأموتُ
– ذكروا أن قيس بن عاصم المنقري رقص صَبيًّا له من زوجته منفوسة بنت زيد الفوارس، في أربعة أبيات:
أشبه أبا أمك أو أشبه عمل
ولا تكوننَّ كَهلَّوْفٍ وَكَل
يصبح في مضجعه قد انجدل
وارق إِلى الخيرات زنأً في الجبل
وروي أنّ العاص بن وائل السهمى كان يرقّص ابنه “عمرو” فى صغره، ويقول:
ظنّى بعمرو أن يفوق حلما
وينشق الخصم الألدّ غما
وأن يسود جمحا وسهما
وأن يقود الجيش مجرًا دهما
وقد أشرف عمر بن هبيرة من قصره، وإذا بأعرابي يرقص بعيره، فقال لحاجبه: لا تحجبه، فلما مثل بين يديه، قال له عمر: ما خطبك يا أعرابي؟ فقال:
أصلحك الله قل ما بيدي
فما أطيق العيال إذ كثروا)
(ألح دهري على كلكله
فأرسلوني إليك وانتظروا)
فأخذت عمر الأريحية، واهتز وقال: أرسلوك إلي وانتظروا! إذا والله لا تجلس حتى ترجع إليهم غانمًا، وأمر له بألف دينار، ورده من ساعته إلى أهله
وذكروا أن القاضى النسفى كان من أعيان الفقهاء، أخذ عن أبي بكر الرازي عن الكرخي ومات سنة 414ه.
ويحكى أنه بات ليلة مهمومًا من ضيق البال وسوء الحال وكثرة العيال فوقع في خاطره فرع من فروع مذهبه فأعجب به فقام يرقص في داره ويقول أين الملوك وأبناء الملوك فسألته زوجته فأخبرها فتعجبت.
وفي كتاب “الترقيص” للأزدي: كانت حاضنته ترقصه وتقول:
حسين يا ابنَ الأكرمينَ مَنصِبَا
أَعْنِي النبي السيد المطيبا
فاعل إلى أشرف عز ترتبا
وقالت أيضًا:
يا بأبي يا أبي ويا بأمي وأبي
ويا بنفسي ذا الصبي
أعنى ابن بنت النبي-
ذكر ابن حجر في “الإصابة” : 7/ 722- 733، في ترجمة الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى ابن رفاعة، رقم (11384) ، قال: وذكر محمد بن المعلى الأزدي في كتاب “الترقيص”، قال: وقالت الشيماء ترقّص النبي صلّى اللَّه عليه وسلم وهو صغير:
يا ربنا أبق لنا محمدا
حتى أراه يافعا وأمردا
ثم أراه سيد مسوّدا
واكبت أعاديه معا والحسّدا
وأعطه عزا يدوم أبدا
قال: فكان أبو عروة الأزدي إذا أنشد هذا يقول: ما أحسن ما أجاب اللَّه دعاءها!
قَالَ ابْن الطراح: رَأَيْت فِي كتاب الترقيص لأبي عبد الله مُحَمَّد بن الْمُعَلَّى الْأَزْدِيّ ان من شعر حليمة مِمَّا كَانَت ترقص بِهِ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
(يَا رب إِذْ أَعْطيته فابقه
واعله إِلَى الْعلَا وارقه)
(وادحض أباطيل العدى بِحقِّهِ … )
ومنهم: الأحنف، وهو الضحّا بن قيس بن معاوية بن حصين بن حفص بن عبادة بن النّزّال بن مرّة بن عبيد؛ ولد وهو أحنف، والحنف اعوجاج في ساقيه؛ وقالت أمّ الأحنف، وهي ترقّصه، وهي من بني فرّاص من باهلة:
والله لولا حنف في رجله
ما كان في صبيانكم كمثله
وذكروا أن عبد الله بن الحارث، سمي ببة لأن أمه كانت ترقّصه فتقول:
لأُنكِحَنَّ بَبَّه
جارِيَةً كالقُبَّهْ
ويروى جارية في قبه، ويروى جارية حدلُكّهْ
مُكرَمَةً مُحَبَّهْ
تَجُبُّ أهلَ الكَعبةْ
ومالك بن مالك بن ثعلبة هو: الزَّنْيَة وسمى بذلك لأن أمه سَلْمى بنت مالك بن غَنم بن دُودان بن أسد جعلت تُرَقِّصه وتقول: ربيبى زَنْيَتي فديت أنا زَنيَتى
فسُميَ الزَّنْيَة
وَقَالَ إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الموصلي: كَانَ يقال: إذا أعياك أن يطرب القرشي فأسمعه غناء ابْن سريج بشعر عمر بْن أَبِي رَبِيعَةَ فإنك ترقصه.
– وقال أَبُو اليقظان: بَكْر بْن مر هُوَ الشُعيراء، وإنما قيل له الشعيراء لأن أمه هند من النخع كَانَتْ ترقصه وتقول: وابأبي شُعيراتك
وقد وصفت به أم الفضل ابنها عبد الله بن عباس وهي ترقصه:
ثكلت نفسي وثكلت بكري
إن لم يسد فهرًا وغير فهر
بالحسب العدّ وبذل الوفر
حتى يوارى فِي ضريح القبر
– فأخذته أمه وجعلت ترقصه، وتقول:
أشبه أخي أو أشبهن أباكا
أمّا أبي فلن تنال ذاكا
تقصر عن مناله يداكا
وفي أخبار عمر بن شبة: أبو زيد عمر بن شبة بن عبيد، وشبة اسمه زيد، ويكنى أبا معاذ قال عمرو انما سمي بأبي شبة لان أمه كانت ترقصه وتقول:
بابا وشبا
وعاش حتى دبا
شيخًا كبيرًا أحنا
سيبويه النَّحويّ
اسمه عَمرو بن عثمانَ بن قنبر ، أبو بِشر البَصْرِيّ، وكانت أمُّه ترقِّصه وهو صغير وتقول: سيب وَيْه، ومعناه: يَا رائحةَ التفاح ، وكان طيِّب الرائحة. وقيل: سمّي بذلك لأنَّ وَجْنَتَيه كانتا كأنَّهما تفاحتان.
قال محمد بن أيوب التميمي: سمر الناس عند معاوية، فقال له رجل: ألا أخبرك عن زوجتي؟ قال: بلى، قال ولدت إحداهما غلاما والأخرى جارية فخرجت أم الغلام ترقصه وهي تقول:
يا ليته راح في الغزي
على جواد مشرف علي
فآب بالمغنم والسبي
فألحق الفقير بالغني
فلم تزل تردد ذلك حتى أغضبت أم الجارية فخرجت بابنتها ترقصها وهي تقول:
وما علي أن تكون جارية
تمشط رأسي وتكون الغاليه
وترفع الفاضل من ردائية
حتى إذا ما بلغت ثمانية
زوجتها عتبة أو معاوية
أصهار صدق ومهور غاليه
فضحك معاوية وقال: وأبيها إن عتبة ومعاوية عنها لمشغولان، وأمر لها بأربعة آلاف.
وَكَانَت أم الزبير ترقصه وَتقول:
اضربه كي يلب
ويقود الْجَيْش ذَا الجلب
وَهُوَ جمع جلبة وَهِي الْأَصْوَات.
وعَبْد اللَّهِ بْن الحارث بْن نوفل بْن الحارث بْن عبد المطلب بْن هاشم القرشي الهاشمي، له ولأبيه صحبة.
وقيل: إن له إدراكًا ولأبيه صحبة، وأمه هند بنت أَبِي سفيان بْن حرب بْن أمية.
ولد قبل وفاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسنتين، وأتى به رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحنكه ودعا له، يكنى أبا مُحَمَّد، ويلقب ببه، وَإِنما لقب ببه لأن أمه كانت ترقصه وهو طفل، وتقول:
إنا وجدنا بلاد اللَّه واسعة
تنجي من الذل والمخزاة والهون
فلا تقيموا عَلَى ذل الحياة
ولا خزي الممات وغيب غير مأمون
إنا تبعنا رَسُول اللَّهِ واطرحوا
قول النَّبِيّ وعالوا في الموازين
– قال: ولما ولدت معاوية مر بها رجلٌ وهي ترقصه وهو صغير، فقال الرجلُ: إنِّي أراه سيسود قومَه، فقالت هند: ثكلتُه إن لم يَسُد غير قومه.
ورُويَ أنّ سلمى بنت صخر وهى أمّ الصدّيق رضى الله عنه أرضعته أربع سنين، ثم أرادت فصاله فوضعت على ثديها صبرا، فلمّا وجد طعمه قال: يا أمّاه اغسلى ثدييك! فقالت: يا بنىّ، إنّ لَبنى فسد وخبث طعمه، فقال لها: إن وجدت ذلك الخبيث قبل أن يخرج اللبن فاغسلى ثدييك، وإن كنت قد بخلت بلبانك فإنى أصدّ عنه، فضمّته إلى صدرها ورشفته، وجعلت ترقّصه، وتقول:
يا ربّ عبد الكعبه
أمتع به يا ربّه
فهو بصخر أشبه
ثم تحوّلت عن هذا الروىّ فقالت:
عتيق يا عتيق
ذو المنظر الأنيق
والمقول الدّليق كالمصعب الفنيق رشفت منه ريق كالزرنب الفتيق
ثم تحوّلت عن هذا الروىّ فقالت:
ما نهضت والدة عن ندّه
أروع بهلول نسيج وحده
ثم إنّ السرور استخفّها، فهتفت بأعلى صوتها كما تهتف النساء عند الفرح، ودخل أبو قحافة فقال: ما بالك يا سلمى؟ أحمقت؟! فأخبرته، بمقاله، فقال:
أتعجبين من هذا، فو الذى كان يحلف به أبو قحافة، ما نظرت إلى ابنك هذا قطّ إلا تبيّنت السّؤدد فى حماليق عينيه.
وروى أن لبانة بنت الحرث أم عبد الله بن عباس رضى الله عنه كانت لما ترقصه فى صغره تقول :
ثكلث نفسى وثكلث بكرى
إن لم تسد فهرًا وغير فهرى
حسب ذاك ويداك الوفر
وفي كتاب الزبير: كانت أم الفضل ترقصه وتقول:
ثَكلتُ نَفسي وَثكلتُ بكري
إِن لَم يَسُد فهرًا وغير فهرِ
بِحَسْبِ ذَاكَ وَبذل الوفر
أم عقيل” بن أبي طالب وهي ترقصه:
“أنت تكون ماجد نبيل”
إذا تهب شمأل بليل
وكان الأخْطَل في صغره يلقب دَوْبلا لأن أمه كانت ترقِّصه به.
– وعن حليمة رضي الله تعالى عنها: أنها كانت بعد رجوعها به صلى الله عليه وسلم من مكة لا تدعه أن يذهب مكانا بعيدا: أي عنها، فغفلت عنه صلى الله عليه وسلم يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه فوجدته مع أخته من الرضاعة وهي الشيماء، وكانت تحضنه مع أمها أي ولذلك تدعى أمّ النبي أيضا أي وكانت ترقصه بقولها:
هذا أخ لي لم تلده أمي
وليس من نسل أبي وعمي
فأنمه اللهم فيما تنمي
وَجَرِير من الْأَسْمَاء المنقولة لِأَن الْجَرِير حَبل يكون فِي عنق الدَّابَّة أَو النَّاقة من أَدَم كَذَا فِي أدب الْكَاتِب وَسمي جَرِيرًا لِأَن أمه كَانَت رَأَتْ فِي نومها وَهِي حاملة بِهِ أَنَّهَا تَلد جَرِيرًا فَكَانَ يلتوي على عنق رجل فيخنقه ثمَّ فِي عنق آخر ثمَّ فِي عنق آخر حَتَّى كَاد يقتل عدَّة من النَّاس فَفَزِعت من رؤياها وقصتها على معبر فَقَالَ لَهَا إِن صدقت رُؤْيَاك ولدت ولدا يكون بلَاء على النَّاس فَلَمَّا وَلدته سمته جَرِيرًا وَكَانَ تَأْوِيل رؤياها أَنه هجا ثَمَانِينَ شَاعِرًا فَغَلَبَهُمْ كلهم إِلَّا الفرزدق وَكَانَت أمه ترقصه وَهُوَ صَغِير وَتقول:
(قصصت رُؤْيَايَ على ذَاك الرجل … فَقَالَ لي قولا وليت لم يقل)
(لتلدن عضلة من العضل
ذَا منقق جزل إِذا قَالَ فضل)
(مثل الحسام العضب مَا مس فصل يعدل ذَا الْميل وَلما يعتدل)
قال كرد علي: ” وكان الرقص عند العرب كالغناء من الفنون الطبيعية استعملوه في كل دور عرف من أدوارهم. والرقص أو الزفن كان عند العرب على ما يظهر على الطراز الذي هو عليه اليوم عند العرب سكان القرى والعرب الرحالة ومنه ما يعرف بالدبكة، فإن وفد الحبشة لما قدم إلى الحجاز جعلوا يزفنون أي يرقصون. وفي حديث فاطمة أنها كانت تزفن للحسن أي ترقص له وفي رواية ترقصه. ومن غريب تفنن العرب في مسائل الظرف والذوق أنهم عرفوا علماً سموه علم الغنج عده صاحب الموضوعات من فروع علم الموسيقى وقال: هو علم باحث عن كيفية صدور الأفعال التي تصدر عن العذارى والنسوان الفائقات الجمال والمتصفات بالظرف والكمال إلى آخر ما نقله صاحب كشف الظنون.
والغالب أن رقص الشام اقتبس مع الزمن من أوضاع كثيرة، والأمم تقتبس عن غيرها ما يتلاءم مع مزاجها. وكذلك تقبس غيرها بعض ما ألفته في هذا الشأن. من ذلك أن الرقص الإسباني إلى اليوم لم يبر بعد خمسة قرون من مغادرة العرب أرض الأندلس على الطراز العربي وكذلك موسيقاهم إلا قليلاً.
روي أنّ عبد المطّلب بن هاشم أتته امرأته نتيلة النمريّة بولده العبّاس وهو رضيع فقالت: يا أبا الحارث، قل فى هذا الغلام مقالة واحدة، فجعل يرقّصة، ويقول:
ظّنى بعبّاس حبيبى إن كبر
يمنّع القوم إذا ضاع الدّبر
ويترع السّجل إذا اليوم اقمطرّ
وسبأ الزقّ العظيم المفنجرّ
ويفصل الخطّة فى اليوم المبرّ ويكشف الخطب إذا الخطب نفر
أكمل من عبد كلال وحجر
لو جمعا لم يبلغا منه العشر
قوله: ضاع الدبر، أي أسلم القوم أدبارهم، ولم يكن لهم حافظ.
وقوله: يترع السجل، هذا مثل ضربه لغنائه فى الحرب، وكشفه الكرب، والسجل: الدلو فيه ماء.
وقوله: إذا اليوم اقمطرّ، أى اشتدّ حرّه.
وقوله: سبأ الزقّ، يقال سبأ الرجل الخمرة إذا اشتراها للشرب، لا للبيع، والعرب كانت تتمدّح بذلك، وهو عندهم السخاء الكبير.
وقوله: المفنجرّ، هو الكبير الذى ينفجر ما فيه لكثرته، والنون زائدة.
وقوله: الخطّة، هو الأمر.
وقوله: المبرّ، هو الذى له فضل على غيره.
وقوله: عبد كلال، هو ملك من التبابعة، يقال إنّه كان على دين المسيح ابن مريم عليه السلام.
وقوله: حجر، هو ملك من كندة، وهو أبو امرئ القيس الشاعر.
– قال إسحاق: زوج ابن سريج لما حضرته الوفاة الهذلي بابنته، فأخذ عنها أكثر غنائه وادّعاه، فغلب عليه، وولدت ابنا، فلمّا يفع جاز يوما بأشعب وهو جالس في فتية من قريش، فوثب فحمله على كتفه، وجعل يرقصه، ويقول: هذا ابن مزامير داود، فقيل له: ويلك ما تقول، ومن هذا الصبي؟ قال: أو ما تعرفونه، هذا ابن الهذلي من ابنة ابن سريج، ولد على عود، واستهل على غناء ، وحنك بملوى ، وشدت سرته بوتر، وختن بمضراب.
قال د. شوقي ضيف :”وأما الهزج فالخفيف الذى يرقص عليه ويمشى بالدفّ والمزمار فيطرب ويستخف الحليم. هذا كان غناء العرب قديما، حتى جاء الله بالإسلام وفتحت العراق وجلب الغناء الرقيق من فارس والروم وتغنوا الغناء المجزّأ المؤلف بالفارسية والرومية وغنّوا جميعًا بالعيدان والطنابير والمعازف والمزامير”.