ثمة سؤال مفصلي يحسم الحد بين كتاب يتنقب في صخر المعرفة ليؤسس حقلا، وكتاب يمدد حبره ليملأ رفوفه: هل نحت صاحبه مصطلحًا، أم اكتفى بالإسهاب من الأوصاف؟
إن المؤلفات في حقيقتها صنفان: صنف يعكف على ما هو قائم فيصفه بألفاظ شائعة متداولة، وصنف يخطو نحو التأسيس فينحت للمعاني البكر التي اقتنصها ألفاظا حاضرة تحملها وتثبتها. الأول — مهما أثريت مادته — يبقى صنيعاً إجرائياً وصفياً، يقرأ مرة ثم يطوى؛ لأنه لم يهب خزانة الفكر أداة جديدة للنظر. أما الثاني فهو الذي يتجذر، لأنه أعطى العقول ما به تفكر، لا ما به تقرأ فحسب. وهذا الفارق هو الفارق الذي يفصل الريادة والتأسيس عن الاجترار لأنه محض جمع.
المصطلح أداة التفكير لا زينة العبارة
يتوهم كثيرون أن المصطلح حلية بلاغية تؤتى في أعقاب النص بعد أن تكتمل فكرته، وأن الكاتب يدير الفكرة في خلده أولاً ثم يبحث عن لفظ مزوق يرتدي به ما عقل. وهذا وهم معرفي يقلب المعادلة رأساً على عقب! فالمصطلح ليس وعاء جامد يصب فيه المعنى بعد نضجه، بل هو الأداة التي بها ينضج المعنى ويتمايز. حين لا تملك اللفظ القاهر الذي يمسك بأصل فكرتك، تبقى الفكرة سائلة مشتتة، تنفلت من بين أنامل النظر. فإذا صنعت لها مصطلحاً، استقرت وثبتت وأضحت بناء قابلاً لأن يشاد عليه، وأن يحاكم، وأن تتفرع منه مسارات الفكر والعلم والنظر.
اللفظ هنا لا يقف عند حدود الوصف، بل هو توليد وخلق معرفي بالتحديد؛ إذ التحديد فعل اقتطاع حاسم من فوضى المعاني، يتسيج فيه المعنى الواحد بحد صارم يفصله عما سواه.
ومن هنا، كانت الأمم التي تملك زمام مصطلحاتها تملك حدود تفكيرها، والأمم التي تستورد ألفاظ غيرها تستورد معها سقف ما يمكنها أن تفكر فيه دون أن تشعر.
كيف يشل غياب المصطلح توليد الأفكار؟
إن أثر غياب المصطلح لا يظهر في رداءة السبك والصناعة اللفظية فحسب، بل في عقم الرحم الفكري نفسه عند التوليد، وهذا هو اللإشكال الأكبر. فحين يفتقر الباحث إلى مصطلح جامع يقبض به على ظاهرة لمحها، يجد نفسه مرغماً على تشريحها في كل كرة بجملة طويلة ملتوية، فينستنفد طاقته الذهنية الصافية في إعادة الشرح البدائي بدل أن يبني على ما شرح، والفكرة التي تحتاج في كل استحضار إلى جملة كاملة تبقى صخرة ثقيلة بطيئة يستحيل تركيبها مع غيرها؛ بينما الفكرة المضغوطة في كبسولة المصطلح تصير خفيفة سريعة، تتركب مع نظائرها لتقذف بأفكار أكثر تركيباً وعمقاً. المصطلح هو تكثيف معرفي: يحبس في جرم لفظ واحد ما كان يستغرق فقرة، فيعتق الذهن ليرتقي إلى الطبقة العليا من التفكير، وغيابه سد راتج يحبس الفكر عند طوره الأول فلا يصعد إلى التجريد، ولهذا الغياب أثر آخر أخفى وأبعد غورًاً: أن الباحث الذي لا يضع مصطلحاً، لا يرى أصلاً ما لا اسم له. فالظاهرة العارية عن اللفظ تمر على هامش العقل دون أن يلتقطها، لأن العقل يصطاد بالألفاظ كما يصطاد الصياد بالشبكة؛ فحيث لا شبكة، لا صيد. والأمة التي لا تسمي أمراضها الحضارية لا تبصرها، فتنزوي وتموت بها وهي تحسب أنها تحسن صنعًا، لذلك كان وضع المصطلح فعل كشف وإبصار قبل أن يكون فعل تسمية. أنت حين تنحت مصطلحات مفتاحية، لا تلصق لافتة على شيء كان مشهوداً، بل تبعثه إلى الوجود مرئياً لأول مرة، فتفتح لمن خلفك باب الرؤية المنضبطة. وهذا هو الفرق الشاسع بين من يصف غابة أبصرها الجميع، ومن يكتشف في أحشائها جنساً لم يُسمَّ، فيصير اسمه وسماً عليه إلى الأبد.
خاتمة: المصطلح ميزان الإبداع وحد التأكل
لذلك كله، كان وجود المصطلحات الأصيلة في طبخة المؤلف هو الميزان الأصدق لمعيار إبداعه وريادته. فإن ألفيت كتاباً معموراً بالمصطلحات المنضبطة المتناسقة، فاعلم أن صاحبه قد رأى من المعاني ما لم يقع عليه بصر غيره، فاضطرته فرادته إلى اشتقاق أسمائها. وإن وجدت كتاباً قاعاً صفصفاً خالياً منها — مهما تعاظم حجمه — فاعلم أنه يدور في فلك صنعه الآخرون، يصف ولا يكتشف، ويجمع ولا يؤسس.
صناعة المصطلح إذن ليست ترفاً لفظياً أو زينة باذخة يطرز بها العالم حواشي نصه، بل هي جوهر فعله الإبداعي، وشاهد العدل على أنه أضاف إلى المعرفة الحضارية طبقة جديدة.
الأمة التي يكثر فيها واضعو المفاتيح والمصطلحات هي أمة تفكر بأدواتها الذاتية وترى بعينها البصيرة، والأمة التي تفكر بأدوات غيرها وترى بعيونهم؛ فشتان بين من يصنع المفاتيح وبين من يقف بباب غيره منتظراً أن يُفتح له! فإذا عجزت الأمة عن صياغة ألفاظها الشارحة لكيانها، توقف فيها نبض الأفكار، وتحول علمها إلى محض ترجمة، وفكرها إلى بضاعة مستوردة؛ وذلك هو أول النحيب في طريق التأكل الحضاري، فالأمة لا تبدأ في الذوبان والتلاشي حين تغلب في ميادين السلاح والعتاد، بل حين تعجز عن أن تسمي ما تراه بلسانها الفصيح، فتفقد — بفقده — القدرة على رؤية نفسها.