قال أبو منصور الثعالبي (ت ٤٢٩ هـ) في كتابه “يتيمة الدهر” (ج2 ص300):”إِن انتثار النظام إِذا بدا، لم يقف عِنْد الْحَد الَّذِي يقدر فلَان أن يقف عِنْده، وَلم يخصص الْجَانِب الَّذِي يظنّ أَنه يلْحقهُ وَحده، بل يدب دَبِيب النَّار فِي الهشيم، ويسري كَمَا يسري النغل فِي الاديم؛ وَكَثِيرًا مَا تعدى الصِّحَاح مبارك الجرب، ويتخطى الاذى الى المرتقى الصعب”.
وهذا القول صحيح من دون شك، وأصح وأصدق ما يكون في تلك العبارة الظالمة القاسية الجاسية التي قيلت في تفسير “مفاتيح الغيب” للإمام الفخر الرازي:” فيه كل شيء؛ إلا التفسير”.
فما زالت تلك الكلمة منذ أن لفظت تطير كالسهم؛ تشق طريقها في القفار، وتثب المهامه والجبال، وتقطع البحار والأنهار، في كتب التراجم، والتفسير، والأخبار.
ورحم الله أبا الطيب المتنبي:
قوافٍ إذا سِرْن عَنْ مِقْولي
وثَبْن الجبال وخُضْنَ البحارا
على أن هذه العبارة نقلت واشتهرت على لسان الشيخ ابن تيمية كما ذكر الصفدي في كتابه “الوافي بالوفيات” (ج4ص194) قال:” وَقلت يوماً للشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة قَاضِي الْقُضَاة أبي الْحسن عَليّ السُّبْكِيّ قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية وَقد ذكر تَفْسِير الإِمَام فِيهِ كل شَيْء إِلَّا التَّفْسِير فَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة مَا الْأَمر كَذَا إِنَّمَا فِيهِ مَعَ التَّفْسِير كل شَيْء انْتهى).
وقد نسب الصفدي العبارة-كما ترى- إلى الشيخ ابن تيمية، علما بأنني بحثت وفتشت عنها كثيرا في كتب الشيخ فلم أرجع بطائل، وقد بحثت عنها في الكتب التي ذَكَرَتْها لعل وعسى أن يذكروا مرجعًا أو مصدرًا فلم أظفر بشيء.
وقد ذكر العبارة نفسها الإمام ابن خَلِّكان في “وفيات الأعيان” (4/179).
على أن أول من نطق بها -فيما وقفت عليه – هو الإمام المفسر أبو حيان التوحيدي المتوفى 745 للهجرة في بحره المحيط (1/547)، غير أنه قالها في معرض المدح والإطراء، لا في معرض الذم والإزراء؛ قالها دفاعًا عن الرازي وذبا عن تفسيره العظيم !.
قال رحمه الله :” الرَّازِيُّ؛ جَمَعَ فِي كِتَابِهِ فِي التَّفْسِيرِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً طَوِيلَةً، لَا حَاجَةَ بِهَا فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ. وَلِذَلِكَ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَطَرِّفِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا التَّفْسِيرَ”، وحسبه أنه ذكر كلمة المتطرفين.
ولا غرو في ذلك، فهي شهادة عالم مجرب، وإمام مدقق، فلله دره!، والدليل على صحة مذهب أبي حيان في تفسير الرازي نسبة القول إلى المتطرفين، واستشهاده بكلام الرازي في تفسيره مئات المرات.
وأكاد أجزم بأن كل من ذم الرازي وذم تفسيره ذمه تقليدا وليس توليدا.
ولكن ما الذي جعل هذه العبارة تنتشر ممهورة باسم الشيخ ابن تيمية وهي ليست في كتبه أو كتب تلاميذه !؟ . يرجع السبب في ذلك-حسب ظني- إلى موقف الشيخ ابن تيمية المتشدد من الإمام الفخر الرازي-رحمهما الله- الذي يظهر واضحا من خلال كتبه وردوده عليه؛ إن في كتبه المستقلة أو مجموع الفتاوى، ويظهر ذلك أكثر في رده على كتابه (تأسيس التقديس، او أساس التقديس)، الذي ألفه الرازي بهدف إثبات تنزيه الله تعالى عن الجسمية والمكان، حيث ذكر الدلائل الدالة على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز. ثم سلك في تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات. وانتهى بعد ذلك إلى تقرير مذهب السلف.
فما كان من الشيخ ابن تيمية إلا أن رد عليه ردًا شديدًا واسعًا امتد إلى ست مجلدات ، كذلك حملته عليه بسبب ما نسب إليه -زورا وبهتان- من تأليف كتاب “السر المكتوم في مخاطبة النجوم”، حتى انتهى إلى تكفيره، قال في الفتاوى ” (4/55)-: “وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتابه في عبادة الكواكب والأصنام وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين..”.
قال التاج السبكي في “طبقات الشافعية”(ج8/ص88) وقال الذهبي في “الميزان” : له كتاب أسرار النجوم سحر صريح. قلت: (أي السبكي) : وقد عرَّفناك أن الكتاب مُخْتَلَف عليه , وبتقدير صحته إليه ليس بسحر , فليتأمله من يُحْسِن السَّحْر ” ا.هـ.
وعلى فرض صحة النسبة فإنه يقول في مقدمته: “فهذا كتاب يَجْمَعُ فيه ما وصل إلينا من علم الطَّلْسَمات والسِّحْريات والعزائم ودعوة الكواكب، مع التَّبَرِّي عن كل ما يُخالف الدين وسليم اليقين” ، وقد كرر رايه هذا في تفسيره عند مناقشة مسألة كفر سحر الساحر، قال: اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا؟… واعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم وهي الخالقة لما فيه من الحوادث والخيرات والشرور؛ فإنه يكون كافراً على الاطلاق وهذا هو النوع الأول من السحر ”.
وهو واضح وصريح في عدم اعتقاده بما فيه من كفريات، وأهل العلم قاطبة على أن ناقل الكفر ليس بكافر، يقول الحافظ الذهبي في “ميزان الاعتدال” (ج4/ص162) : “وحاكي الكفر ليس بكافر، فإن الله تبارك وتعالى قص علينا في كتابه صريح كفر النصارى واليهود وفرعون ونمرود وغيرهم ” .
قال الحافظ ابن حجر: في “فتح الباري”(ج10/ ص226) : “وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين إما لتمييز ما فيه كفر من غيره وإما لأزالته عمن وقع فيه”.
وفي ظني أن حملة الشيخ على الرازي وتكفيره إياه بسبب ما نسب إلى الرازي من تأليف كتاب “السر” هو الذي جعل القول يروج ويشيع بين الناس.
قال أبو عثمان الجاحظ في “الرسائل السياسية” (ص614):” وقد قال أهل الفطن: “إنّ محض العمى التقليد في الزندقة؛ لأنّها إذا رسخت في قلب امرىء تقليدا أطالت جرأته، واستغلق على أهل الجدل إفهامه”.
وأي تقليد أسوأ من انتشار مثل هذه العبارة حتى يومنا هذا!.
ولا ريب أن القول الصحيح، والرأي الرجيح :”أن في كتاب مفاتيح الغيب كل شيء وفيه التفسير المليح”.
وأجزم أن تفسير الرازي يغني عن معظم التفاسير، في حين أن كتب التفاسير والتأويل مجتمعة لا تغني عنه فَتِيلا، وَلا نَقِيرًا، ولا قطميرا، وأنا لا أقول هذا القول جزافا، أو تهتكا في مدح الرازي، بل أقوله من واقع معايشتي الطويلة، وتجربتي العميقة مع الكتاب، وقراءتي له سنوات طوال، وأستطيع أن أبرهن على ذلك بعشرات الأدلة والبراهين والأقوال .
ولماذا نذهب بعيدا؛ وكل طالب يستطيع أن يتأكد من ذلك بنفسه، يقرأ تفسير أي آية يريدها في عدد من التفاسير، وعلى رأسها تفسير الطبري، ثم يقرؤها مرة أخرى في مفاتيح الغيب، وعندها سيجد الفرق واضحا، ويجد أن الصيد كله في جوف الفرا، وأن مفاتيح الغيب كاسمه، فهو من جهة يماثل الطبري في نقل الآثار، ويزيد عليه في الأحكام الفقهية وسرد الأخبار، والمناقشات الفكرية، واللفتات البلاغية، ورد اعتراضات الفرق والملل والنحل بلا تطويل ولا اختصار.
ورحم الله الإمام السبكي حينما قال: “إِنَّمَا فِيهِ مَعَ التَّفْسِير كل شَيْء”.
قال أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي (ت ٨٧٥هـ)، في كتابه “الجواهر الحسان في تفسير القرآن” (1/93): “ولسنا نميل مع أبي حيان في قوله فيه: «فيه كل شيء إلا التفسير»، فإنه – رحمه الله- مع الاستطراد إلى ذكر الأدلة والبراهين، قد وفّى التفسير حقّه”.
وقد قال السيوطي في كتابه “الإتقان” (4/243)،:” الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ- قَدْ مَلَأَ تَفْسِيرَهُ بِأَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَشِبْهِهَا وَخَرَجَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ حَتَّى يَقْضِيَ النَّاظِرُ الْعَجَبَ مِنْ عَدَمِ مُطَابَقَةِ الْمَوْرِدِ لِلْآيَةِ، ثم ذكر كلام أبي حيان” . وقد ذكرنا كلام أبي حيان من قبل واللبس في فهمه ونقله، فلا نعيده.
ثم نقرأ في “كشف الظنون” (1/427) ما نقله السيوطي عن أبي حيان كلمة كلمة، ثم يأتي عقيلة (ت ١١٥٠ هـ) في كتابه “الإحسان” (9/402)، فينقل الكلام السابق، ثم يأتي أبو سعيد الخادمى الحنفي (ت ١١٥٦هـ) في كتابه:”بريقة محمودية” (3/53)، ويكرر الكلام نفسه، ثم يأتي القِنَّوجي (ت ١٣٠٧هـ) في كتابه “أبجد العلوم” (299)، فنراه يزيد في حدة كلامه على الرازي، ويدلس قليلا فيغير ويبدل فيما قيل في التفسير من قبل، قال القِنَّوجي:” أهل التحقيق في حق كتابه: “فيه كل شيء إلا التفسير”، وقد بحث في تفسيره هذا عن كل شيء لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد أخطأ في مواضع مما يتعلق بفهم القرآن الكريم “.
وقد فسر قوله هذا في مكان آخر من كتابه، حيث قال:” قلت: وفي قوله فاق على أكثر المتقدمين إلى آخره نظرا، لأن العلم المجرد بالحديث والتفسير لا يكفي في صحة الاعتقاد والعمل حتى يستعملها على وجههما، ويقول بمقتضاهما، ويحقق فحواهما وأنى لهم التناوش من مكان بعيد”. والكلام واضح لا يحتاج إلى تعليق، ثم جاء محمود شكري الألوسي (ت ١٣٤٢هـ) في كتابه “غاية الأماني في الرد على النبهاني” (ج1/ص112)، فنقل كلام أبي حيان على غير وجهه، ثم مدحه بقوله:” وما أحسن ما ترجم به أبو حيان هذا التفسير الكبير”، ولقد زاد الألوسي في الطنبور نغما، حيث سلب الرازي بعض خصائصه، وما تميز به باتفاق المترجمين، ألا وهي خاصية الإسهاب في التأليف والتصنيف، فقال:” يمكن للعالم أن يتوسع في الكتابة عليه-التفسير- إلى مثل ما توسع به الإمام فخر الدين في تفسير كتاب الله، والمؤلف إذا أغمض عينه وتسامح في تأليفه وراعى المناسب والمجاور ومجاوره استطال في يده حبل الكلام، فلم يقف به عند حد”، ثم جاء المراغي (ت ١٣٧١هـ) في تفسير(1/12)، فينقل كلام أبي حيان على وجهه، بل قد مدح الرازي بقوله : ” وللإمام الرازي المتوفى سنة 610 هـ فى ذلك القدح المعلّى فى تفسيره الكبير المسمى بمفاتيح الغيب”.
ومن المحدثين د. مناع القطان-سامحه الله- (ت ١٤٢٠هـ) في كتابه “مباحث في علوم القرآن” (356)، نراه ينقل كلام القنوجي، ويقول بقوله، بل يزيد عليه بقوله في ص (396) :” ففقد كتابه بهذا روحانية التفسير وهداية الإسلام”.
ومن هؤلاء د.فضل عباس في كتابه “التفسير والمفسرون”(1/250)، نراه لم يعتمد على ما قيل في تفسير الرازي، بل بحث هو بنفسه وانتهى إلى نتيجة طيبة، يقول:” ومما هو حقيق بالإشارة ها هنا أن ما قيل في تفسير الرازي من أن فيه كل شيء إلا التفسير عبارة ظالمة، فمفاتح الغيب بحر زخّار إن كان فيه كل شيء، فيجب أن يكون فيه التفسير، فالتفسير من أعظم أشياء العلم”.
ومنهم كذلك د.الطيار في شرحه على “مقدمة التسهيل لعلوم التنزيل” لابن جزي”، قال:” وقد انتقده آخرون بأن فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا النقد فيه مبالغة، وإنما فيه التفسير وفيه كثير مما ليس من التفسير”، وهذا كلام فيه إنصاف من د.الطيار.
ومنهم الراجحي في دروسه على العقيدة ، فقد أقر تلك المقولة وزاد عليها بقوله: “وكتاب الرازي أيضاً فيه من الأباطيل شيء كثير، وفيه بيان لشبه أهل الباطل وتقرير لها، كتقرير وجوب تعلم السحر، حتى قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير”.
وليته ذكر لنا أين أوجب الرازي تعلم السحر، وهيهات هيهات!
وقوله: ” كتقرير وجوب تعلم السحر”، قلت: وهذا الرأي منه منكر غريب، فرأي الرازي في السحر معروف ومشهور، فإنه يقول بأن تعلم السحر غير قبيح، لقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)،وهو رأي عدد من العلماء المحققين كابن حجر في كتابه فتح الباري(10/224الذي مر معنا آنفا.
ومنهم المؤلف د. فهد الرومي في كتابه “دراسات في علوم القرآن الكريم” (ص163)، يقول :” أوسع التفاسير في علم الكلام … وسلك في تفسيره مسلك الحكماء والفلاسفة وعلماء الكلام،…العلوم الرياضية والطبيعية والفلكية والمسائل الطبية، وملأ تفسيره بهذه العلوم حتى قيل عنه: “فيه كل شيء إلا التفسير”، ومما يعاب عليه أنه يبسط دلائل أهل البدع والفرق المخالفة لأهل السنة بسطا لا مزيد عليه ثم يرد عليها ردا غاية في الوَهَاء حتى قال بعض العلماء: إنه “يورد الشبه نقدًا ويحلها نَسيئة”.
ومنهم عائض القرني في دروسه، فيقول:”وله تفسير جيد يقولون: فيه كل شيء إلا التفسير، أتى بالكيمياء والفيزياء والهندسة والطب وكل العلوم حتى الجغرافيا إلا التفسير فسلم منه كتابه، ولكن ليس هذا بصحيح، قال بعض الكتبة: ليس بصحيح بل وجد فيه تفسير كثير”، وقال في مكان آخر :” وهذه الكلمة لا تقبل، بل فيه تفسير كثير”.
وفي موقع “ملتقى أهل الحديث”، نقرأ :” التفسير الكبير للفخر الرازي من أوسع كتب التفسير، وقد حشاه مؤلفه بمباحث كثيرة جدًا تخرج به عن التفسير، حتى قيل فيه: فيه كل شيء إلا التفسير، وهذا من باب المبالغة لكثرة ما فيه من المباحث التي هي خارجة عن صلب التفسير، بل قد تكون ليست من علوم الشريعة”.
والكتاب يُعدُّ من مراجع التفسير الكبيرة، وفيه فوائد كثيرة، ومسائل علمية نادرة.
ومنهم د. عبد الكريم الخضير ، وهو ممن أعرفهم جيدا وأعرف توسطهم واعتدالهم في بعض الأمور، فقد علق على تلك المقولة الجائرة بقول:” فالتفسير فيه فوائد، وقد قيل فيه: “إنه فيه كل شيء إلا التفسير” لكن هذا جور، فيه تفسير”.
أما الشيخ عبد الله الجديع قد أبعد النجعة، وبالغ في تعليقه، وسلب الرازي وجرده من كل خير، ويؤسفني ان أقول أن كلامه هذا هو مثال سيء للنقد؛ وفيه سوء ظن، وتقليد بارد. قال:” هذا الكتاب على كبر حجمه، فإنّك إن سلمت من تشكيكاته، فلا أحسبك تخرج منه بفائدة ينفرد بها في تفسير القرآن، وفيه ظلمة، ولعلّك ترى هذا الوصف في عامّة مصنّفات الرّازيّ”.
وكلامه هذا من أبلغ العيب أن يقوله طالب علم، فلو كلف نفسه مشقة قراءة صفحة واحدة لما تجرأ أن يقول ما يقول. وعند الله تجتمع الخصوم.
وهذا الكلام لفرط تعصبه وجهله وتهافته لا يرد عليه. ولو فعلنا لاحتجنا إلى كتاب كامل، ومثل هذا يرد عليه بقول الشاعر:
وفي مناهج جامعة المدينة العالمية (ص279):”حُكي عن بعض المتطرفين أنه قال: فيه كل شيء إلا التفسير، ولا ريب أن هذه الكلمة غلو من قائلها، ففي الكتاب لفتات تفسيرية رائعة لا تجدها في غيره”.
ومنهم أستاذنا وصديقنا د.محمد علي “أبو حسان” -رحمه الله – الذي كانت تربطني به علاقة قوية؛ من صداقة، وتلمذة ، وغيرها قال في كتابه “المنار” (ص295) :” والحق: أن تفسير الفخر فيه التفسير وفيه كل شيء”.
وكم كان مسرورًا عندما أخبرته انني في صدد تهذيب كتاب “مفاتيح الغيب”، وتحقيق نصوصه وأحاديثه.
ومنهم عماد علي عبد السميع في كتابه “التيسير في أصول واتجاهات التفسير” (ص111) حيث يقول:” فالكتاب أشبه ما يكون بموسوعة في علم الكلام، وفي علوم الكون والطبيعة، إذ أن هذه الناحية هي التي غلبت عليه حتى كادت تقلّل من أهميته ككتاب تفسير للقرآن الكريم، حتى قال بعض أهل العلم عنه: (فيه كل شيء إلا التفسير)، ولكن برغم هذا تبقي قيمة الكتاب عالية يتعلم المطالع منه كيف يربط بين كافة العلوم وبين القرآن الكريم.
ويلاحظ مما ذكرناه آنفا، أن صاحب الكلمة هو ابن عطية الأندلسي، وان كلمته لا غبار عليها، ثم ما لبثت أن فهمت على غير وجهها، ثم تدحرجت ككرة الثلج ، وأخذت تكبر حتى أصبحت جبلا كبيرا يحمل في طياته حصى حادة، وحجارة من سجيل، يُمطر بها الإمام الفخر صبح مساء دون النظر في كتابه او التحقق من صدقيتها ووثاقتها.
الرازي بين المدح والذم
الفخر الرازي مدحه كثيرون، وذمه آخرون، وهذه طبيعة الكبار من الرجال يختلف الناس حولهم ما بين مادح وقادح، والعبرة بما بقى وأصبح تراثا خالدا من أقواله وأعماله وأفكاره التى يتجدد عطاؤها يوما بعد يوم، حتى عدّه العلماء على رأس المائة السادسة من المجددين لها، الذين أحيوا ما اندرس من الدين، واجتهد فيما جدّ على عصره من شئون وعلوم، ذكر الذهبى عن أبى شامة قوله «وقد رأيت جماعة من أصحابه قدموا علينا دمشق، وكلهم كان يعظمه تعظيما كبيرا، ولا ينبغي أن يسمع فيمن ثبتت فضيلته كلام يستبشع، لعله من صاحب غرض من حسد، أو مخالفة في مذهب أو عقيدة».
وهذه شهادة جليلة القدر من عالم رفيع القدر في النقد والرجال والجرح والتعديل، وهى خير دليل على أن الرجل (الرازي) ثارت حوله الأحقاد، وأكثر فيه الحساد، وهذا ليس غريبا على مثل هذه الشخصية الفذة، التي نبغت في كل العلوم، وناقشت، وناظرت، وكان في كل أحواله من السلوك والالتزام على طريقة السلف وهديهم.
قال عبد العزيز المجدوب «وأما ابن تيمية فتحامله ناشئ عما بينه وبين الرازي من اختلاف مذهبي واضح، فمذهبه سلفي حنبلي أما الرازي فأشعري شافعي ثم يذكر المؤلف أن ابن تيمية على الرغم من نقده للرازى تأثر به وأخذ بأسلوبه فى المناظرة والكتاب، ولقد مهد الرازى الطريق أمام ابن تيمية وغيره من العلماء فى طرق الدفاع عن الدين وتفنيد حجج المعارضين.
ولقد مدح الرازى ودافع عنه السبكي فى طبقاته، وابن حجر العسقلانى فى لسانه كثيرا، ذاكرين له فضله، وسبقه وثقته وعلمه مهما قيل عنه أو رمى به.
الخلاصة
ونحن نقول فيه كما قال صاحب كتاب “مطمح الأنفس” في ابن حزم (ص280) :”فقيه مُستنبِط، ونَبيه بقياسه مُرتبط، ما تكلم تقليداً، ولا تعدّى اختراعاً وتوليداً، أقام بوطنه، وما بَرح عن عَطنه، فلم يشرب ماء الفُرات، ولم يَقف عيشة الثَّمرات، ولكنّه أربى على مَنْ مِنَ ذلك غُذي، وأزرى على من هنالك قد نُعل وحُذي، تفرّد بالقِياس واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بما نطق به وقاس، وصنف وحبّر حتى أفنى الأنفاس، ونبذ الدّنيا وقد تصدّت له بأفتن مُحيَّا، وأهدت إليه أعبق عرف وريّا، وتجرّد للعِلم وطَلبه، وجد في اقتناء نُخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة …مما لم يظهر مثله من هنالك مع سرعة الحِفظ وعفاف اللِّسان واللَّحظ، وفي مثله يقول خلف بن هارون: