مقالات

مواقف “السلف” مع “الدهرية ”          د. أحمد الزبيدي        –        الإمارات

د. أحمد الزبيدي

لا شك أن “كل مولود يولد على الفطرة” فقد غرز الله فيه هذه الجبلة؛ تؤهله استعدادا لقبول الحق طبعًا وطوعًا واختيارًا، غير أن بعض الطوائف الشاذة فسدت فطرتهم، وعميت بصائرهم، ومنها : طائفة “الدهرية”، وهم الذين أنكروا وجود الله، وزعموا أن الأشياء كانتْ بلا مكوِّن. كما يقول ابن الجوزي صاحب “تلبيس إبليس” (ص 41)، وصاحب الشهرستاني “الملل والنحل” (2/ 3).

وقد حكى الله عنهم قولتهم المنكرة، وهي قولهم : {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:٢٤]. وقد رد عليهم الحق تبارك وتعالى بقوله: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية:٢٤]، أي أنهم لا يملكون دليلًا على زعمهم، ومن كان هذا شأنه فلا قيمة له في ميزان العلم والواقع، وكل قول ليس عليه أثارة من العقل أو من الشرع، أو من الفطرة فهو قول مرذول ومردود.

وقد عدَّ الإمام الرازي “فِرْعَوْن” – لعنه الله- مِنَ كبار هم –”الدَّهْرِيَّةِ”، فقد كَانَ من الْمُنْكرينَ والجاحدين لِوُجُود الصَّانِعِ تَعَالَى.

وفِي «كِتَابِ دِيَانَاتِ الْعَرَبِ» أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «كَمْ لَكَ مِنْ إِلَهٍ» قَالَ عَشْرَةٌ، قَالَ فَمَنْ لِغَمِّكَ وَكَرْبِكَ وَدَفْعِ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ إِذَا نَزَلَ بِكَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ؟ قَالَ اللَّهُ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «مالك مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ».

وقد سأل بعض “الدهرية” الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس : إذا كان لم يزل ولاشيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال له: “لم” غير جائزة عليه، لأن “لم” تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معل فوقه، ولا علة فوقه، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل، فلم عنه منتفية، فإنما فعل ما فعل، لأنه جواد. فقيل: فيجب أن يكون فاعلا لم يزل لأنه جواد لم يزل. قال: معنى “لم يزل” أن لا أول. وفعل يقتضي أولا. واجتماع مالا أول له, وذى أول في القول والذات محال متناقص، قيل له: فهل يبطل هذا العالم؟ قال: نعم. قيل: فإذا أبطله بطل الجود؟، قال: سيبطله ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد, لأن هذه الصيغة تحتمل الفساد. تم كلامه.

  • قال الفيلسوف اليوناني أفلاطون لتلميذه أرسطو: ما الدليل على وحدانية الله تعالى؟ فقال: ليس شيء من خلقه بأدلّ عليه من شيء.

  • وسئل الفيلسوف اليوناني سقراط عن دلالة الصانع، فقال: دلّ الجسم على صانعه. فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم، فإن صانعه حكيم.

  • ونظر أعرابي إلى الناس في يوم الجمعة فقال: صورة واحدة وخلق مختلف، ما هذا إلا صنع رب العالمين.

وقد تفنن العلماء المسلمون في الرد عليهم، مثل الإمام الأشعري، وابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم وغيرهم، غير أني وجدت الإمام جعفر الصادق والأئمة الأربعة قد سلكوا معهم سبلًا لطيفة، وطرقًًا ظريفة قد آتت أكلها كل حين.

مناظرتهم الإمام جعفر الصادق

 من ذلك ما يُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الزَّنَادِقَةِ أَنْكَرَ الصَّانِعَ عِنْدَ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَقَالَ جَعْفَرٌ: هَلْ رَكِبْتَ الْبَحْرَ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ هَلْ رَأَيْتَ أَهْوَالَهُ؟ قَالَ بَلَى، هَاجَتْ يَوْمًا رِيَاحٌ هَائِلَةٌ فَكَسَّرَتِ السُّفُنَ وَغَرَّقَتِ الْمَلَّاحِينَ، فَتَعَلَّقْتُ أَنَا بِبَعْضِ أَلْوَاحِهَا ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي ذَلِكَ اللَّوْحُ فَإِذَا أَنَا مَدْفُوعٌ فِي تَلَاطُمِ الْأَمْوَاجِ حَتَّى دُفِعْتُ إِلَى السَّاحِلِ، فَقَالَ جَعْفَرٌ قَدْ كَانَ اعْتِمَادُكَ مِنْ قَبْلُ عَلَى السَّفِينَةِ وَالْمَلَّاحِ ثُمَّ عَلَى اللَّوْحِ حَتَّى تُنْجِيَكَ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْكَ هَلْ أَسْلَمْتَ نَفْسَكَ لِلْهَلَاكِ أَمْ كُنْتَ تَرْجُو السَّلَامَةَ بَعْدُ؟ قَالَ بَلْ رَجَوْتُ السَّلَامَةَ، قَالَ مِمَّنْ كُنْتَ تَرْجُوهَا فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَقَالَ جَعْفَرٌ: إِنَّ الصَّانِعَ هُوَ الَّذِي كُنْتَ تَرْجُوهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَهُوَ الَّذِي أَنْجَاكَ مِنَ الْغَرَقِ فَأَسْلَمَ الرَّجُلُ عَلَى يَدِهِ.

  • وسئل مرة أخرى عن كيفية الله تعالى، فقال: نور لا ظلمة فيه، وعلم لا جهل فيه، وحياة لا موت فيها.

  • وسأل رجل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : أين الله تعالى؟ فقال: هذا سؤال عن المكان، وكان الله ولا مكان!

  • وقال عثمان لأعرابي: أين ربك؟ قال: بالمرصاد.

  • وقال العتبي: من جعل الله في مكان فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه ومن عدّه فقد ثنّاه. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.

مناظرتهم الإمام أبي حنيفة

 كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ سَيْفًا عَلَى “الدَّهْرِيَّةِ”، وَكَانُوا يَنْتَهِزُونَ الْفُرْصَةَ لِيَقْتُلُوهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا فِي مَسْجِدِهِ قَاعِدٌ إِذْ هَجَمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ بِسُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ وَهَمُّوا بِقَتْلِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَجِيبُونِي عَنْ مَسْأَلَةٍ ثُمَّ افْعَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَالُوا لَهُ هَاتِ، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ يَقُولُ لكم إني رأيت سفينة تَجْرِي مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَهَا مَلَّاحٌ يُجْرِيهَا وَلَا مُتَعَهِّدٌ يَدْفَعُهَا هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْعَقْلِ؟ قَالُوا: لَا، هَذَا شَيْءٌ لَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ إِذَا لَمْ يَجُزْ فِي الْعَقْلِ سَفِينَةٌ تَجْرِي فِي البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فَكَيْفَ يَجُوزُ قِيَامُ هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى اخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَتَغَيُّرِ أَعْمَالِهَا وَسِعَةِ أَطْرَافِهَا وَتَبَايُنِ أَكْنَافِهَا مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ وَحَافِظٍ؟ فَبَكَوْا جَمِيعًا وَقَالُوا: صَدَقْتَ وَأَغْمَدُوا سُيُوفَهُمْ وَتَابُوا.

وسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرَّةً أُخْرَى فَتَمَسَّكَ بِأَنَّ الْوَالِدَ يُرِيدُ الذَّكَرَ فَيَكُونُ أُنْثَى، وَبِالْعَكْسِ فَدَلَّ عَلَى الصَّانِعِ.

مناظرتهم الإمام الشافعي

سَأَلُوا الإمام الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ؟ فَقَالَ: وَرَقَةُ الْفِرْصَادِ طَعْمُهَا وَلَوْنُهَا وَرِيحُهَا وَطَبْعُهَا وَاحِدٌ عِنْدَكُمْ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَتَأْكُلُهَا دُودَةُ الْقَزِّ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْإِبْرَيسَمُ (الحرير) وَالنَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْعَسَلُ. وَالشَّاةُ فَيَخْرُجُ مِنْهَا الْبَعْرُ، وَيَأْكُلُهَا الظِّبَاءُ فَيَنْعَقِدُ فِي نَوَافِجِهَا الْمِسْكُ!  فَمَنِ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الطَّبْعَ وَاحِدٌ؟ فَاسْتَحْسَنُوا مِنْهُ ذَلِكَ وَأَسْلَمُوا عَلَى يَدِهِ وَكَانَ عَدَدُهُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ.

استدلال الإمام مالك

سَأَلَ الخليفة هَارُونُ الرَّشِيدُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَاسْتَدَلَّ بِاخْتِلَافِ الْأَصْوَاتِ، وَتَرَدُّدِ النَّغَمَاتِ، وَتَفَاوُتِ اللُّغَاتِ.

استدلال الإمام أحمد

تحدث الإمام أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن قَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مَلْسَاءَ لَا فُرْجَةَ فِيهَا، ظَاهِرُهَا كَالْفِضَّةِ الْمُذَابَةِ، وَبَاطِنُهَا كَالذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الْجُدْرَانُ وَخَرَجَ مِنَ الْقَلْعَةِ حَيَوَانٌ سمَيْعٌ بَصِيرٌ فَلَا بُدَّ مِنَ الْفَاعِلِ.

 (عَنَى بِالْقَلْعَةِ الْبَيْضَةَ وَبِالْحَيَوَانِ الْفَرْخَ).

سؤال الأعرابي

سُئِلَ أَعْرَابِيٌّ عَنِ الدَّلِيلِ على وجود الله، فَقَالَ: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ. وَالرَّوْثُ عَلَى الْحَمِيرِ، وَآثَارُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ. وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ، أَمَا تَدُلُّ عَلَى الصَّانِعِ الْحَلِيمِ الْعَلِيمِ الْقَدِيرِ؟

استدلال الطبيب

قِيلَ لِطَبِيبٍ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ بِإِهْلِيلِجٍ مُجَفَّفٍ أُطْلِقُ، وَلُعَابٍ مُلَيِّنٍ أُمْسِكُ! وَقَالَ آخَرُ: عَرَفْتُهُ بِنَحْلَةٍ بِأَحَدِ طَرَفَيْهَا تَعْسِلُ، وَالْآخَرِ تَلْسَعُ! والعسل مقلوب اللسع.

وسُئِلَ الشاعر أَبُو نُوَاسِ عَنْ ذلك فَقَالَ:

تَأَمَّلْ فِي نَبَاتِ الْأَرْضِ وَانْظُرْ

 إِلَى آثَارِ مَا صَنَعَ الْمَلِيكُ

عُيُونٌ مِنْ لُجَيْنٍ شَاخِصَاتٍ

وَأَزْهَارٌ كَمَا الذَّهَبُ السَّبِيكُ

عَلَى قُضُبُ الزَّبَرْجَدِ شَاهِدَاتٍ

بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ

ونظير هذا قول الشاعر أبى العتاهية، وروي أنه جلس في دكان ورّاق، وأخذ كتابًا فكتب على ظهره:

فوا عجبًا كيف يعصى الملي

ك أم كيف يجحده الجاحد

ولله في كلّ تحريكة

وتسكينة في الورى شاهد

وفي كلّ شىء له آية

تدلّ على أنّه واحد

وقال الفضل بن عيسى الرقاشي: سَلِ الأرض: من غرس أشجارك، وشق أنهارك، وجنى ثمارك؟ فإن لم تجبك حوارًا، أجابتك اعتبارًا.

قَالَ العُقَلاءُ: الدَّلِيْلُ عَلَى إثْبَاتِ وجود اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- غَيْرُ مُتَنَاهٍ فِي أفْهَامِ الخَلائِقِ، لأَنَّهُ بِعَدَدِ المَوْجُودَاتِ؛ مِنَ الإنسان، والحَيَوانِ، وَالنَّبَاتِ، وَغَيْر ذَلِكَ، فمَا مِنْ شَيْءٍ وَإِنْ صَغُرَ جِسْمُهُ ،وَلَطُفَ شَخْصُهُ، وَخَفِيَ عِنْ إدْرَاكِ البَصَرِ تَصوُّرُهُ إِلَّا وَفِيْهِ عِدَّةُ دَلائِلٍ تَنْطُقُ بِوِجُودِ رُبُوبِيَّتِهِ، وَتُعَبِّرُ عِنْ إثْبَاتِ إلاهِيَّتِهِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى