مقالات

شفرات المجاز وقناديل المنفى د. أحمد الزبيدي        –        الإمارات 

د. أحمد الزبيدي

تحولات الأدب المجري بين حرية الكلمة ومستنقع الأيديولوجية الاشتراكية

هذا هو العنوان الجديد لأحد أهم وأجمل الأعمال الرائعة التي دبجتها يراعةُ الأستاذ والأديب المبدع عامر السامرائي.

وتأتي أهمية الموضوع وخطورة هذا العنوان لأنه يمتد في الطول ويغوص في العمق حتى تتجاوز مساحته عقودًا طويلة من الزمان،ومشروع مثل هذا احتاج من  المؤلف السامرائي أن يشرع في التحضير والإعداد والتخطيط له منذ وقت مبكر، ومبكر جدًا، لعل وعسى أن ينجح في أن يصيب في ما أراده ورمى إليه من سد فراغ أدبي، وفضاء علمي قدر له أن يكون قبل عامي 1948 و 1956، وكتب له أن يستمر إلى ما بعد التسعينيات، فعلى مدار عقود خلت، تركزت رحلة الأديب السامرائي في الغوص في بحار اللغة المجرية،ومسارب آدابها السحرية ترحالاً عنيفا مستمراً مكنه أن يسبر تلافيف النفس الإنسانية، إبان مصارعتها التحولات الأيديولوجية العنيفة، والتغيرات السياسية والاجتماعية المخيفة؛ التي شهدها القرن العشرين. أربعون عامًا والأديب السامرائي ظل فيها راكضا ولاهثا يمتطي صهوة خيول الأدب والمعرفة مطاردا الكلمة المجرية مقتفيا آثارها، منذ أن كانت الكلمة ترفل وتتبختر في نزعتها الفردية، وتهنأ في حاضنتها البرجوازية الكلاسيكية المتسقة مع الحداثة الأوروبية، مرتدة إلى فضاءات الواقعية الاشتراكية الصارمة إلى ما بعد عام 1948، ظل شاهدا لمحاولاتها الذكية، في المناورة والتحايل والتلون عبر ما عُرف باشتراكية الغولاش، ومن خلال ما عرف بعصر التسويات الفكرية، وصولاً واستعدادا إلى لحظة الانفجار الأكبر، والتحرر الأخطر عام 1990.

خلال هذه المسيرة الطويلة جدًا، التي يضم هذا الكتاب زبدتها وخلاصتها، كان الانحياز الأكبر، والرهان الأعمق والأخطر في ترجمات السامرائي نحو الشعر.

من هنا جاء اختيار الأديب السامرائي مدفوعاً بموقف نقدي وحضور وفلسفي واعٍ، ولم لا والشعر في نظر أديبنا السامرائي يمثل الاختبار الأقصى، والامتحان الأقسى في تاريخ الأدب، وهو في الوقت نفسه الملاذ الأخير الذي تلوذ به الشعوب كي تحمي خصوصيتها وتدافع عن ثقافتها وهُويتها، في حين أن  بقية الفنون تُجبر على الامتثال والمهادنة والانصياع والانحلال، وأستطيع أن أدعي أننا وفي عصرنا الراهن، الذي تتوغل فيه الخوارزميات ،وتتيه فيه برامج الذكاء الاصطناعي وتدعي القدرة على تجسير الفجوات بين اللغات، يأتي هذا المصنف الذكي، والمؤلف اللوذعي، ليرسخ حقيقة كبرى لا يعلمها كثير من الناس؛ وهي: أن الشعر عصي على الآلة، غريب على هذه الحالة، فقد تستطيع أن تنقل البرمجيات قشور الكلمات، وتقدر أن تزن القواعد واللغات، ولا تعيى في  مطابقة المفردات، إلا أنها-وبلا شك- تظل عاجزة وذليلة تماماً أمام الهمسة الخفية، والنبضة القلبية، والعاطفة المكبوتة الزكية، والمجاز المبطن (لغة إيسوب) الذي ابتكره المبدع المجري ليتنفس من خلاله بعيداً عن مقص الرقيب، ليصل كل عاشق ومغرم ومتيم وحبيب.

 إن ترجمة الشعر هي عملية تفكيك للشفرة الروحية والتاريخية للأمة، وهو هدم وبناء لا تملكه الأنظمة الرقمية، وإنما يتأتى فقط لمن عاش هذه النصوص، وعايش منها أدق الفصوص، وعاشر تقلبات أصحابها لعقود بلا قيود وحدود.

من هنا نستطيع أن ندعي بكل ثقة بأن هذا الكتاب يسعفنا في قراءات تأملية، ومطالعات تشريحية كي نقف على تحولات الأدب المجري الذي عاش عمرا من الاغتراب، عاش بين حقبتين متباينتين يفصلهما جدار سميك من الأيديولوجيا الصارمة والمظلمة والاحتراب، ولأن النقد لا يستقيم دون الشاهد الإبداعي الحكائي، فقد جعل السامرائي من ترجماته الشعرية والقصصية، نماذج عكف عليها أربعة عقود؛ المتن المشاهد، والبرهان الواعد. ثَمّ يتخفف القارئ من عناء التاريخ السياسي الجاف، ويلقي عن عاتقه أوزارًا وآصارًا تُعاف، لطالما أثقلت كاهله، ليستريح ويتنفس الصعداء وهو  ينصت خاشعا إلى صدى صوت ميكلوش رادنوتي وهو يوثق مرثية العصر القديم، ويتحسس مرارة المنفى ونقاء اللغة مع شاندور ماراي، ويتأمل العزلة الروحية والمقاومة بالصمت في قصائد يانوش بيلينسكي، وصولاً إلى تفكيك سريالية الواقع وبيروقراطيته عبر الكوميديا السوداء والعبثية في قصص إشتفان أوركين “قصص الدقيقة الواحدة”، ونصوص زولتان توري.

أيها الأعزاء

إنها دعوة كريمة من أديب كريم إلى مشاركته الرحلة مع تحول لغة من الاستسلام إلى التمرد والهيام، ومن المقاومة بالرمز إلى معانقة الحرية والتجرد والحمز، يضعها بين أيديكم شهادة حية على عبقرية الأدب المجري، وصمود الروح الإنسانية في وجه العواصف السياسية العاتية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى