مقالات

عابرُ ضفاف المعرفة.. د. قاسم كوفحي وسيرة العقل الموسوعي سمير اليوسف – الأردن

د. قاسم محمد كوفحي

 

في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة وتتباعد فيه التخصصات، يندر أن نصادف شخصية استطاعت أن تجمع بين حقول معرفية متعددة دون أن تفقد عمقها أو تماسكها، وأن تعبر من فضاء إلى آخر محافظةً على وحدة الرؤية واتساق المشروع، ومن بين هذه النماذج يبرز د. قاسم محمد كوفحي بوصفه واحداً من المثقفين العرب الذين لم يتوقفوا عند حدود تخصص بعينه، بل جعلوا من المعرفة جسراً يصل بين العلوم الإنسانية واللغة والأدب والفكر والإبداع.

تبدو سيرة د. قاسم كوفحي، للوهلة الأولى، سيرة أكاديمي انشغل بالتدريس والبحث العلمي، غير أن التمعن في منجزه يكشف عن مشروع ثقافي أوسع وأعمق من مجرد مسيرة جامعية ناجحة، فالرجل الذي أمضى عقوداً في مؤسسات التعليم العالي، متنقلاً بين العمل الأكاديمي والإداري، لم يكن ينظر إلى الجامعة بوصفها مكاناً لنقل المعرفة فحسب، بل بوصفها فضاءً لإنتاجها وإعادة مساءلتها وتطوير أدواتها، وقد أسهم خلال سنوات عمله الطويلة في جامعة اليرموك الأردنية ثم في جامعة الشارقة الإماراتية في ترسيخ ثقافة البحث العلمي، وفي بناء بيئات أكاديمية تؤمن بأن المعرفة الحقيقية تبدأ من السؤال ولا تنتهي عند الإجابة.

وتكتسب تجربته خصوصيتها من تنوع مرتكزاتها العلمية؛ إذ جمع بين علم الاجتماع والأنثروبولوجيا واللغة الإنجليزية وآدابها، وهو تنوع لم يبق حبيس الشهادات أو المسميات الأكاديمية، بل تحول إلى رؤية فكرية شاملة ترى الإنسان في سياقاته الاجتماعية والثقافية واللغوية، وتتعامل مع اللغة بوصفها أكثر من أداة للتواصل، فهي وعاء للثقافة، ومرآة للهوية، ومساحة تتجلى فيها تحولات المجتمع وتناقضاته وأحلامه.

ومن هنا يمكن فهم الطبيعة الموسوعية لمشروعه الثقافي؛ فالمعرفة لديه ليست جزرًا منفصلة، وإنما شبكة مترابطة تتداخل فيها الأسئلة الكبرى للإنسان والمجتمع والثقافة، ولذلك لم يكن مستغرباً أن ينتقل من البحث الاجتماعي إلى الدراسات اللغوية، ومن النقد إلى الإبداع، ومن المسرح إلى الرواية، ومن التأليف إلى الترجمة، في حركة معرفية دؤوبة تؤكد أن الفكر الحقيقي لا يعترف بالحدود المصطنعة بين الحقول المعرفية.

وفي المجال الإبداعي، يطل د. قاسم كوفحي بوصفه كاتباً متعدد الأصوات والأشكال، فقد كتب المسرحية والرواية والقصة القصيرة، واشتغل بالنقد والترجمة، وقدم أعمالاً تعكس انشغاله الدائم بالإنسان وأسئلته الوجودية والاجتماعية، وتكشف نصوصه المسرحية عن وعي عميق بتحولات المجتمع العربي، كما تكشف عن حس تجريبي يسعى إلى اكتشاف آفاق جديدة للخطاب المسرحي، سواء في المسرح الاجتماعي أو في المسرح العبثي أو في النصوص التي تستلهم التحولات الرقمية وأسئلة العصر الجديد.

أما عالمه الروائي، فينفتح على فضاءات نفسية واجتماعية ورمزية متعددة، حيث تتجاور الأسئلة الفردية مع القضايا الجمعية، ويتحول السرد إلى وسيلة لاستكشاف الأعماق الخفية للشخصية الإنسانية. وفي كثير من أعماله تبدو الشخصيات وكأنها تبحث عن ذاتها في عالم متغير، وتحاول أن تعيد تعريف علاقتها بالمكان والزمان والآخر، وهو ما يمنح تجربته الروائية بعداً إنسانياً يتجاوز حدود البيئة المحلية إلى آفاق أرحب.

ولعل ما يلفت النظر في مشروعه النقدي أنه لا يتعامل مع النصوص بوصفها بنى لغوية مغلقة، بل بوصفها ظواهر ثقافية واجتماعية تحمل في داخلها آثار الزمن والهوية والتحولات الفكرية. لذلك تأتي قراءاته النقدية متكئة على رؤية تجمع بين التحليل الجمالي والوعي السوسيولوجي، وتبحث دائماً عن المعاني الكامنة خلف البنية الظاهرة، وعن العلاقة المركبة بين النص والعالم الذي أنتجه، ولم يتوقف اهتمامه عند القضايا التقليدية في اللغة والأدب، بل امتد إلى استشراف التحولات المعرفية الجديدة، فكتب في موضوعات حديثة تتصل بالقيادة والتغيير والذكاء الاصطناعي وعلاقته باللغة، في إشارة واضحة إلى عقل منفتح يرى أن المعرفة الحقيقية هي تلك القادرة على مواكبة العصر دون أن تتخلى عن جذورها الإنسانية.

وإذا كانت كثير من التجارب الأكاديمية تنتهي بانتهاء الوظيفة أو التقاعد، فإن تجربة د. قاسم كوفحي تبدو مختلفة؛ لأن التقاعد بالنسبة إليه لم يكن نهاية مسيرة، بل بداية مرحلة جديدة من التفرغ للكتابة والتأليف والتأمل، فالكتابة عنده ليست نشاطاً جانبياً، وإنما قدرٌ اختاره منذ وقت مبكر، وظل يرافقه في مختلف مراحل حياته، حتى غدت جزءاً من هويته الفكرية والثقافية.

إن الحديث عن د. قاسم محمد كوفحي ليس حديثاً عن أكاديمي ناجح أو كاتب غزير الإنتاج فحسب، بل عن نموذج للمثقف الذي أدرك أن المعرفة ليست تراكم معلومات، وإنما بناء رؤية للعالم. ومن هنا تكتسب تجربته قيمتها؛ لأنها تقدم صورة للمثقف العربي القادر على الجمع بين التخصص والانفتاح، وبين البحث والإبداع، وبين الأصالة ومواكبة التحولات المتسارعة.

لقد استطاع د. كوفحي، عبر مسيرة امتدت لعقود، أن يحول المعرفة إلى مشروع حياة، وأن يجعل من الكتابة مساحة دائمة للحوار مع الإنسان وقضاياه وأسئلته. وفي هذا تكمن فرادة تجربته وأهميتها؛ فهي تجربة تؤكد أن الثقافة الحقيقية لا تُقاس بعدد الكتب المنشورة أو المناصب التي شُغلت، وإنما بقدرة صاحبها على أن يترك أثراً معرفياً وإنسانياً يواصل حضوره في الوعي والثقافة بعد أن تنتهي المناصب وتغيب الألقاب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى