مقالات

الذكاء الحضاري.. كيف تتحول الأفكار إلى حضارات ؟ د. زيد الأعظمي – الإمارات

في الثقافة وتجديد الوعي : فلسفة الدهشة والألفة في تكوين الوعي الإنساني والحضاري

 

د. زيد الأعظمي

 

من أعجب الظواهر التي تحكم حياة الإنسان أنه لا يبقى مندهشا بالجميل، كما لا يبقى منزعجا من القبيح، فما يثير الإعجاب في أول لقاء، قد يغدو بعد حين مألوفا لا يلفت النظر، وما يبعث النفور في البداية قد يصبح مع مرور الزمن جزءًا من المشهد المعتاد، وقد فسّر علم النفس ذلك بالتكيّف الإدراكي، ورأى علم الأعصاب فيه وسيلة لحماية الدماغ من إرهاق المثيرات المتكررة، غير أن هذه التفسيرات على أهميتها لا تكفي لفهم امتداد هذا الأثر إلى الوعي الجمعي، وإلى مسار الأمم والحضارات، ومن هنا تنطلق هذه المقالة لتقترح مفهومًا فلسفيًا يمكن أن نسميه قانون الألفة باعتباره قانونًا يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالأشياء مع الزمن. فتنقلب الدهشة إلى اعتياد، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة، حتى يفقد الوعي شيئا من حدّته الأولى، ولا تتوقف أهمية هذا القانون عند حدود الجماليات أو علم النفس، بل تتجاوزه إلى صميم علم نقد الحضارات، إذ لا تبدأ حضارة في التراجع حين تخطئ فحسب، بل حين تعتاد الخطأ فلا تعود تشعر بخطره، أو حين تألف منجزاتها فتكف عن تطويرها. ومن ثم يصبح نقد الحضارة ليس مجرد رصد للوقائع، بل قياسا لحيوية الوعي ودرجة حساسيته أمام القيم والمعاني. هنا يتبين أن الألفة ليست عيبًا ينبغي اجتثاثه، بل ضرورة حياتية تحفظ للإنسان توازنه، وتمكنه من الاستمرار، إذ لا يمكن أن يعيش المرء في ذروة انفعال دائم أو في دهشة لا تنطفئ، غير أن هذه الضرورة تتحول إلى خطر حين تفقد بوصلتها، فتنقلب من استقرار إلى تبلد، ومن هنا تتحدد ثمرة هذه المقالة: ليس المطلوب دوام الدهشة ولا استسلاما لألفة تتبلد، بل امتلاك القدرة على استدعاء الدهشة وعيًا كلما لاح في الأفق خطر التبلد. فاستدعاء الدهشة ليس اندفاعًا عاطفيا، بل فعل عقلي نقدي منظم يعيد للإنسان بصيرته، وللمجتمع يقظته، وللحضارة قدرتها على التجدد، وبذلك نستطيع أن نقرر أن الحضارة التي تحسن الانتقال الواعي بين الدهشة والألفة هي الحضارة القادرة على الاستمرار دون أن تفقد روحها. وبهذا المعنى لا تكون الدهشة ترفا ولا الألفة عيبًا. بل يصبح التنقل الواعي بينهما شرطا لازما لصناعة الإنسان وصيانة الحضارة، وأرى أن هذه النتيجة ليست خاتمة مقالة فحسب، بل أصلٌ منهجي جدير بأن يُضاف إلى علم نقد الحضارات باعتباره قانونا يفسّر كثيرا من التحولات قبل أن تعلن عن نفسها في الوقائع الظاهرة.
إذن ليست الحضارات تبدأ بالسقوط حين تفقد القوةفحسب، بل حين يشيخ وعيها. فإذا فقد الوعي وشاخت القدرة على الدهشة والنقد، بدأ الانحدار والتراجع والتآكل فكان في الإنسان انتكاسًا، وفي الحضارة موتًا.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى