مقالات

“الناقوط”: الأب يدفع والابن يُهنّئ د. قاسم محمد كوفحي – الإمارات

د. قاسم محمدكوفحي

 

في بلادنا، لا تكفي المناسبة لكي تكتمل فرحتها، ولا يكفي أن تقول لصاحبها “مبروك”. هناك طقس اجتماعي أكثر تعقيدًا اسمه “الناقوط”. و”الناقوط”، لمن لا يعرفه، هو ذلك المبلغ المالي الذي يقدمه المهنئون في مناسبات النجاح والتخرج والزواج والمولود الجديد وغيرها من اللحظات التي قرر المجتمع أنها لا ينبغي أن تمر من دون حركة مالية صغيرة.

و”الناقوط”، في ظاهره، هدية. لكنه، عند التأمل، يبدو كأنه مؤسسة اقتصادية مصغرة لها قوانينها وأعرافها وحساباتها وذاكرتها الطويلة. فأنت لا تدفع فقط لأن ابن فلان تخرج، وإنما لأن ابن فلان قد يحتاج يومًا إلى أن يتخرج ابنك، وعندها سيأتي الدور عليك. إنها ليست مجرد مجاملة، وإنما نوع لطيف من “الضمان الاجتماعي” الذي يعمل بلا وزارة ولا صندوق ولا موظفين، وتديره الذاكرة العائلية بكفاءة قد تثير إعجاب بعض المؤسسات المالية. لكن أجمل ما في فلسفة الناقوط هو السؤال البسيط: من الذي يدفع؟ ومن الذي يُهنَّأ؟هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

رب الأسرة هو الذي يفتح محفظته، ويخرج المال، ويضعه في يد ابنه أو ابنته لكي يقدمه إلى صاحب المناسبة. ومع ذلك، عندما يصل إلى بيت صاحب المناسبة، لا يقول: “هذا ناقوط من والدنا”، بل يتقدم بكل ثقة، ويمد يده بالنقود، ويقول: “مبروك يا فلان”. وهكذا يصبح المال مال الأب، والمهنئ هو الابن، والفرحة لصاحب المناسبة، أما الحساب الحقيقي فيبقى في مكان آخر، غالبًا في دفتر غير مكتوب داخل ذاكرة رب الأسرة. إنها عملية اقتصادية عجيبة: الأب يمول، والابن يمثل، وصاحب المناسبة يستلم، والمجتمع يسجل في ذاكرته أن فلانًا قد “نقّط” فلانًا.

وقد يحدث أن يعود الابن إلى البيت، فتسأله أمه: “كم نقّطت؟” فيجيبها. فتسأل الأب: “كم أعطيته؟” فيقول الرقم نفسه. وهنا يكتشف الجميع أن العملية تمت بنجاح، وأن “الناقوط” خرج من جيب شخص، ومر بيد شخص ثان، واستقر في بيت شخص ثالث، لكن الفضل الاجتماعي ذهب غالبًا إلى الشخص الثاني.

وللناقوط أيضًا فلسفة خاصة في المناسبات العائلية. فإذا تخرج الابن من الجامعة، أصبح من حقه أن يستقبل الناقوط بوصفه صاحب الإنجاز. لكن إذا كان الاحتفال في بيت الأسرة نفسها، فإن الناقوط يدخل إلى البيت من باب ويخرج من باب آخر، بينما يبقى الأب واقفًا يتأمل العملية وكأنه يشاهد استثمارًا عائليًا طويل الأجل.

والأطرف أن “الناقوط” لا يُقاس دائمًا بمقدار المال وحده، وإنما بذاكرة المناسبات. فهناك من يعرف، بدقة تاريخية مذهلة، من أعطى في عرس فلان، ومن حضر تخرج علان، ومن “نقّط” بمبلغ معين، ومن تأخر في الدفع حتى بعد المناسبة. الذاكرة الاجتماعية هنا لا تنسى بسهولة، وكأن المجتمع يمتلك قاعدة بيانات سرية عنوانها: “من أعطى من؟ ومتى؟ وكم؟”

وهذه الذاكرة تجعل الناقوط أشبه بنظام تبادل اجتماعي مؤجل. أنت تعطي اليوم، لا لأنك تنتظر شيئًا فورًا، وإنما لأنك تؤمن بأن المناسبات تدور كما تدور الأيام. فإذا أعطيت في زواج، فقد يأتي يوم تحتاج فيه إلى من يعطيك في زواج ابنك. وإذا أعطيت في تخرج، فقد تجد نفسك بعد سنوات أمام مناسبة مشابهة. وهكذا يتحول المال إلى لغة من لغات التضامن الاجتماعي، ويصبح الناقوط وسيلة تقول بها الجماعة للفرد: نحن معك في فرحك، كما كنت معنا في أفراحنا، لكن فلسفة “الناقوط “لا تخلو من مفارقة أخرى. فالإنسان قد يذهب إلى مناسبة لا يعرف فيها صاحب المناسبة معرفة عميقة، لكنه يعرف والده، أو عمه، أو أخاه، أو أحد أفراد عائلته. فيدفع الناقوط باسم العلاقة الاجتماعية، لا باسم العلاقة الشخصية، وهنا يصبح الناقوط لغة للقرابة، ووسيلة لإعلان استمرار شبكة العلاقات بين العائلات.

و”الناقوط”، في النهاية، ليس مالًا فقط. إنه طقس اجتماعي يجمع بين الكرم والمجاملة والانتماء والذاكرة والتبادل. وربما لهذا السبب لا يمكن فهمه بمنطق الحساب المالي وحده. فلو كان الأمر مالًا فقط، لكان من الأسهل إرسال المبلغ عبر تحويل بنكي، وانتهت المسألة. لكن الإنسان يصر على أن يحمل المال بيده، وأن يذهب إلى المناسبة، وأن يصافح صاحبها، وأن يقول له “مبروك”، لأن قيمة الناقوط ليست في الورقة النقدية وحدها، وإنما في اليد التي تحملها، والكلمة التي ترافقها، والعلاقة التي تقف وراءها، ومع ذلك تبقى المسألة الأكثر طرافة في فلسفة الناقوط هي تلك الحقيقة التي يعرفها الجميع ويتجاهلونها بأدب: الأب هو الذي يدفع، والابن هو الذي يُنقّط، وصاحب المناسبة هو الذي يفرح، والأم هي التي تتذكر المبلغ، وربما يكون الجد هو الذي يراقب العملية كلها ويتساءل: “من أعطى كم؟”

وهكذا يستمر الناقوط بوصفه واحدًا من أكثر الاختراعات الاجتماعية طرافة وذكاءً. إنه اقتصاد صغير قائم على المحبة والذاكرة، ونظام مالي لا يحتاج إلى مصرف، وشبكة ضمان اجتماعي لا تحتاج إلى عقد مكتوب، ومناسبة لا تكتمل فيها التهنئة إلا إذا رافقها شيء في ظرف صغير، ولعل أجمل ما في الأمر أن “الناقوط “لا يقول لنا فقط: “مبروك”، وإنما يقول أيضًا، بطريقة غير مباشرة: “سجل عندك أننا وقفنا معكم، وسننتظر أن تقفوا معنا عندما يدور الدور.”

وهكذا، في بلادنا، حتى الفرح له محاسبة، وحتى المحبة لها ذاكرة، وحتى التهنئة تحتاج إلى ميزانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى