دار نقاش بين شخص متخصص في اللغة، يؤمن بنظريات علم اللغة الحديث واللسانيات، وآخر لا يؤمن إطلاقًا بما يُسمّى علم اللغة الحديث، ويعدّه ضربًا من الخزعبلات، على حد وصفه. حاول الأول أن يشرح للثاني مفهوم التداولية وأهميتها في الحياة اليومية، موضحًا أن التواصل بين الناس لا يعتمد على المعاني الحرفية للكلمات وحدها، وإنما يتجاوزها إلى المقاصد التي يريد المتكلم إيصالها، والسياقات التي تُقال فيها العبارات، والمعاني التي يفهمها السامع من وراء الألفاظ. غير أن الرجل الثاني ظل متمسكًا برأيه، رافضًا الاقتناع بهذه الأفكار ، ولما طال النقاش، قرر المتخصص أن يمنحه درسًا عمليًا في التداولية، لعل التجربة تقنعه بما عجزت عنه الشروحات النظرية.
في أحد الأيام، زار الرجل الثاني صديقه المتخصص في اللغة، وبعد قليل من الحديث، سأله:
“هل عندكم تواليت؟”
أجابه صاحب البيت بهدوء:
“نعم، عندنا ثلاثة”.
سكت الزائر لحظة، ثم أعاد السؤال:
“هل عندكم تواليت؟”
فجاءه الجواب نفسه:
“نعم، عندنا ثلاثة”.
كان الزائر يقصد، بطبيعة الحال، أن يستأذن في استخدام الحمام، لكن صاحب البيت تعمّد أن يتعامل مع سؤاله وفق معناه الحرفي، متجاهلًا المقصد الذي أراد الوصول إليه، فالسؤال، من الناحية اللغوية المباشرة، يستفسر عن وجود الحمام وعدده، أما في سياق الزيارة، وفي ضوء حاجة الزائر، فإنه يؤدي وظيفة تواصلية أخرى، هي طلب الإذن باستخدامه.
ومع مرور الوقت، بدأ الضيق يظهر على وجه الزائر، لكنه أصر على السؤال:
“هل عندكم حمام؟”
فرد صاحب البيت، بالبرود نفسه:
“نعم، عندنا ثلاثة”.
ظل الرجل يكرر سؤاله، وظل الآخر يكرر إجابته، من غير أن يسمح له باستخدام الحمام، حتى أدرك الزائر، أو كاد يدرك، أن ثمة شيئًا يتجاوز الكلمات التي يسمعها والكلمات التي ينطق بها.
هنا تجلّت المفارقة التي أراد المتخصص أن يكشفها لصاحبه: لقد كانت الإجابات صحيحة من الناحية الحرفية، لكنها أخفقت في تحقيق الغرض من التواصل، فالمشكلة لم تكن في صحة الكلمات، وإنما في تجاهل المقصد الذي يحمله السؤال داخل سياقه. لم يكن الزائر يريد معرفة عدد الحمامات في المنزل، وإنما كان يريد استخدامها، وكان ينتظر استجابة مناسبة لمقصده، لا معلومة يعرفها أو لا يحتاج إليها.
وهذا هو أحد أوجه التداولية؛ فهي تدرس كيفية فهم المعنى في سياق الاستعمال، والعلاقة بين ما تقوله الكلمات وما يقصده المتكلم، وكيف يستدل السامع على المقاصد التي لا تُصرَّح بها دائمًا. ففي الحياة اليومية، حين يسأل الضيف: “هل يمكن أن أحصل على كأس من الماء؟”، فإنه لا يطلب إجابة بنعم أو لا فحسب، وإنما يقدم طلبًا مهذبًا للحصول على الماء. وحين يقول شخص لآخر: “الجو بارد هنا”، فقد يكون بصدد وصف الطقس، وقد يكون يلمّح إلى رغبته في إغلاق النافذة. ويتوقف فهم المعنى المقصود على السياق والمعرفة المشتركة بين المتحدثين.
إن اللغة لا تؤدي وظيفتها بمجرد إنتاج جمل صحيحة نحويًا أو إجابات مطابقة للمعنى المعجمي؛ فهي أداة للفعل والتفاعل وبناء العلاقات بين البشر. وقد تكون العبارة صحيحة في ظاهرها، لكنها تفشل في أداء وظيفتها إذا تجاهل المتكلم الظروف التي قيلت فيها والمقصد الذي يراد تحقيقه من خلالها.
ولعل الدرس الأهم في هذه الحكاية أن فهم اللغة لا يقتصر على معرفة ما تقوله الكلمات، وإنما يتطلب أيضًا فهم ما يفعله الناس بالكلمات، فالتواصل الناجح لا يحتاج إلى متحدث يعرف كيف يجيب فحسب، بل إلى متحدث يدرك ما الذي يسعى إليه مخاطبه، وإلى مستمع يستطيع الانتقال من المعنى الحرفي إلى المعنى المقصود.
وهكذا، فإن الرجل الذي رفض التداولية بوصفها خزعبلات وجد نفسه، من خلال تجربة بسيطة، أمام موقف يومي يكشف الحاجة إليها، فلو فهم السؤال في سياقه، لكان جوابه الطبيعي: “نعم، تفضل، الحمام من هناك”. عندئذ فقط كانت الإجابة ستؤدي وظيفتها التواصلية كاملة، فاللغة ليست ما نقوله فحسب، وإنما ما نعنيه أيضًا، وما يفهمه الآخرون من كلامنا في سياق الحياة.