مقالات

المعنى الذي لا تقوله المعاجم: نحو نظرية في المعرفة الضمنية للكلمة العربية د. قاسم محمد كوفحي – الإمارات

د. قاسم محمد كوفحي

تتجاوز المعرفة اللغوية لدى المتحدث العربي حدود ما تسجله المعاجم من تعريفات للألفاظ؛ فالكلمة، في الاستعمال الحي، تحمل إلى جانب معناها المعجمي طبقات من الإيحاءات والانطباعات والذكريات التي تتشكل عبر التجربة الفردية والذاكرة الجماعية والسياقات الاجتماعية، وقد يفهم المتحدث من لفظة واحدة ما يتجاوز تعريفها المباشر، مستندًا إلى معرفة ضمنية اكتسبها من ممارسته للغة ومشاركته في ثقافتها، ومن هنا تبرز أهمية دراسة المعنى الذي لا تصرح به المعاجم، بوصفه مجالًا يكشف عن العلاقة العميقة بين اللغة والإدراك والخبرة الإنسانية.

ويمكن توضيح هذه الفكرة من خلال كلمة “بيت”، فالمعجم يعرّف البيت بأنه المسكن، لكن استعمال الكلمة في عبارة “العودة إلى البيت” قد يستحضر لدى المتلقي مشاعر الأمان والانتماء والحنين، بينما تثير عبارة “بيت العنكبوت” تصورًا مختلفًا يرتبط بالهشاشة والضعف، ولا تنبع هذه الفروق من المعنى الأساسي للكلمة وحده، وإنما من السياق الذي ترد فيه، ومن التجارب الثقافية والشخصية التي تراكمت حولها. وهكذا يتبين أن المعنى المعجمي يمثل نقطة انطلاق للفهم، في حين تسهم الخبرة الإنسانية في توسيع دلالته وتوجيه تأويله.

وتظهر المعرفة الضمنية كذلك في الفروق الدقيقة بين الكلمات المتقاربة دلاليًا، فكلمات مثل “مات” و”توفي” و”قضى نحبه” تشير جميعها إلى انتهاء الحياة، لكنها لا تؤدي الوظيفة التعبيرية نفسها، فالفعل “مات” مباشر في دلالته، بينما يرتبط “توفي” في الاستعمال العربي المعاصر غالبًا بسياقات أكثر تهذيبًا ورسمية، وقد يستدعي تعبير “قضى نحبه” نبرة أدبية أو وجدانية، ولا يمكن تفسير هذه الفروق بالرجوع إلى المعنى الأساسي وحده؛ إذ تؤدي الأعراف الاجتماعية وأنماط الاستعمال دورًا مهمًا في تشكيل القيمة التداولية لكل تعبير.

وتكشف اللغة اليومية عن جانب آخر من هذه المعرفة، يتمثل في قدرة المتحدث على فهم الدلالات الاجتماعية للكلمات دون الحاجة إلى شرح صريح. فكلمة “أهل” قد تشير إلى الأسرة، لكنها في عبارة “أهل البلد” تتسع لتشمل جماعة ترتبط بالمكان والانتماء، وفي عبارة “أهل الكرم” تصبح وصفًا لقيمة أخلاقية واجتماعية. إن هذا الانتقال لا يعتمد على المعجم وحده، وإنما على قدرة المتحدث على استحضار العلاقات الثقافية التي تنظم استعمال اللفظ وتحدد مجاله الدلالي.

وتتجلى الذاكرة الثقافية بوضوح في ألفاظ مثل “النخوة” و”الوجاهة” و”الجاه”، فالنخوة تتجاوز معناها المرتبط بالحميّة إلى استدعاء صور من التضامن والشهامة والاستجابة للآخر، بينما ترتبط الوجاهة بمكانة اجتماعية يعترف بها المحيط، ويستحضر الجاه شبكة من العلاقات والنفوذ والاعتبار. وتتغير دلالات هذه الألفاظ تبعًا للبيئات والأجيال، الأمر الذي يجعلها شواهد على تفاعل اللغة مع التحولات الاجتماعية، وعلى احتفاظ الكلمات بآثار من أنماط الحياة التي نشأت في ظلها.

ويمكن، انطلاقًا من هذه الأمثلة، اقتراح مفهوم المعرفة الضمنية للكلمة” للدلالة على مجموع الارتباطات الدلالية والثقافية والتداولية التي يكتسبها المتحدث من خبرته باللغة، حتى عندما يعجز عن صياغتها في تعريف واضح. ولا يعني ذلك أن هذه المعرفة ثابتة أو مشتركة بين جميع المتحدثين بالدرجة نفسها؛ فهي تتأثر بالعمر والبيئة واللهجة والتعليم والتجربة الشخصية، كما تتغير بتغير السياقات التاريخية والاجتماعية.

إن دراسة هذا المستوى من المعنى تقتضي الجمع بين التحليل المعجمي والدراسة التداولية والبحث في الدلالة المعرفية، مع الاستفادة من مدونات الاستعمال الفعلي والمقابلات والتجارب اللغوية. ويمكن اختبار الفروق بين التعريف المعجمي وما يستحضره المتحدثون من إيحاءات، ثم مقارنة النتائج بين مناطق عربية وأجيال مختلفة. وبذلك لا تبقى المعرفة الضمنية للكلمة افتراضًا نظريًا عامًا، وإنما تصبح موضوعًا قابلًا للوصف والتحليل والاختبار.

إن الكلمة العربية ليست وعاءً لمعنى محدد فحسب؛ إنها أيضًا مستودع لتجارب المجتمع وذاكرته وتحولاته. وما لا تقوله المعاجم صراحة قد يكون حاضرًا بقوة في وعي المتكلم، يوجه اختياره للكلمات، ويحدد استجابته لها، ويمنحه القدرة على فهم ما يتجاوز ظاهر العبارة. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى تصور أوسع للمعنى، لا يلغي أهمية المعجم، وإنما يضعه ضمن شبكة حية من الخبرة والثقافة والاستعمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى