
د. محمد عبد الله البريكي

قراءة ازدهار ناصر/ سوريا
بدأتُ مع البحر
وقبل الأحـَـدْ …
بدأتُ مع البحر
أركبُ أمواجـَهُ
يوم بشّرتِ الدايةُ البيتَ
قالت:
ولــــــدْ
يقولون:
حارتُنا ابتهجتْ
والنساءُ يصافحن أمي
وأمي تهزُّ البشارةَ
في قلبها
ثم يسقطُ عنها الكمدْ
وأبي
ذلك العالمُ الشيخُ
أذّنَ ثم أقام الصلاةَ
لتبدأ رحلةُ هذا الصبيِّ
مع الوقتِ
ثمَّ كبرتُ
وقلّمتُ أظفارَ نومي
كراهيةً
حين يأتي إلى بابنا “الباص”
يأخذُ قلبي
إلى المدرسةْ
سلامٌ عليَّ
إذا ما بدأتُ الحياة
بسجادةٍ
ألِفتْ وجهَ أمي
وسجادةٍ
فاض دمعُ أبي فوقها
ثم قالوا: انطلقْ
أنت وحدك في الدرب
فوقك
ربٌّ أحـــــــــدْ
سلامٌ على قريتي
وهي تنفض عنها نُعاسَ النخيل
وتلبسُ فجرَ البلدْ
سلامٌ عليَّ
إذا ما بدأتُ أطاردُ
أرغفةَ الصبر
يوم الأحـَـدْ
سلامٌ على البدء والمنتهى
على فرحةِ الأهلِ عند قدومي
على صرخةِ البعض عند رحيلي
على الأرض
حين تُفتِّشُ عن ضحكةٍ فوقها
إنما
لا أحد
لا أحد
هذه قصيدة في ديوان: “بدأت مع البحر” للشاعر د. محمد عبدالله البريكي ، وهي قصيدة تستحق وقفة على أعتابها وانحناءة في محرابها، هي من السهل الممتنع. جعلت المتلقي يتلمس جميل المعنى والمبنى، يستشعر الإشارات والدلالات من دالٍّ ومدلول و مرجعية إلى الواقع، وانطلاقا من أن ذاتية الكاتب تذوب فيما يكتب كذوبان السكر في الماء أقول بكل تجرد:
أني قرأت وسمعت واستمتعت بقصيدة “بدأتُ مع البحر” فوجدتها ليست قصيدة ميلاد ، بل محضر اكتشاف ما بعد الولادة.
“الأحد” ليس توحيد بلاد كما يُقرأ سطحياً، لو أراد الاتحاد لقال بعد الاتحاد، لكنه قال “قبل الأحد” والأحد هنا هو البداية.. بداية بداية الاسبوع أو الكون.. الله هو الحق هو بداية الكون “فوقك رب أحد”. و “قبل الأحد” هي العودة إلى الرحم، حنين لمرحلة كان فيها مادة بلا تكليف قبل أن يصبح “عبدالله” بثقل النبوة والعبودية وقبل أن يؤذن أبوه الشيخ في أذنه.
وهنا سر الصراع من بداية التسميه: البحر تمرده وانطلاقه، والسجادة والباص والمدرسة قيد التربية الصارمة، ولهذا جاءت جملة “قلّمت أظفار نومي كراهية حين يأتي الباص”، ثم الصدمة “قالوا انطلق أنت وحدك”، وهنا إثبات أن الأم ما زالت على قيد الحياة لم تمت ولم يمت الأب بل مات الحضن وظيفياً، وهذا هو اليتم الثاني، يتم الأحياء.
بدأ بكلمة “ولد” وانتهى بكلمة “لا أحد لا أحد” وكل ما بينهما من داية وحارة وباص هو محاولة لملء الفراغ. جاء “ولداً” فابتهجت الحارة لأنه ذكر سيحمل اسم الشيخ، فبدا كأن الاحتفال حباً شخصيا ثم اكتشف أنهم احتفلوا بالدور القادم لا بالشخص، ومن يُحتفل به لدوره يُترك وحده.
وشاعرنا البريكي هو ابن دمع وخشوع ودعوات على سجادة وليس ابن بحر فقط، واليوم أصبح هو سادن السجادة والأب الروحي للشعراء كمدير لبيت الشعر يفرش السجاد للأجيال بعد أن كان المتمرد الذي يريد البحر.
سلام على البدء والمنتهى، البدء كان بحراً حراً والمنتهى لا أحد، وما بينهما سجادتان باردتان ورجل يمشي وحده وفوقه رب أحد.
أبدعت، أيها الشاعر البريكي.. دمت ودام مدادك و ودادك.
زر الذهاب إلى الأعلى