ليست الهوية العربية مجرد بطاقة شخصية، أو رقعة جغرافية ممتدة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي، بل هي حالة وعي عميقة تتأصل جذورها في ذات الفرد من خلال الثقافة، والنسب، والأرض، والتاريخ، والخبرة الإنسانية المشتركة. وهي بطبيعتها هوية حضارية استوعبت الجميع؛ فلم تكن يوماً حكراً على دين بعينه، إذ ضم التاريخ العربي ممالك مسيحية وقبائل يهودية قبل الإسلام، واحتضنت بعده العديد من الأطياف المتنوعة.
ومع تشكّل العالم الحديث، تجسدت هذه الرقعة ضمن ما يُعرف بالوطن العربي، وهو مجموعة تضم 22 دولة يجمعها تاريخ مشترك، ولغة واحدة هي اللغة العربية، إضافة إلى تقارب في الثقافة والعادات والتقاليد. يمتد الوطن العربي جغرافيًا من المحيط الأطلسي غربًا إلى الخليج العربي وبحر العرب شرقًا،وتجمع دوله منظمة “جامعة الدول العربية” التي تأسست عام 1945 لتكون مظلة إقليمية للتنسيق، ويستخدم العرب غالبًا مصطلح “الوطن العربي”، بينما تستخدم بعض الجهات الأجنبية مصطلحات أخرى مثل “العالم العربي” أو “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” (MENA) للإشارة إلى المنطقة.
تُعد اللغة العربية “لغة الضاد” العصب والعمود الفقري لصرح هذه الهوية؛ فهي لغة الثقافة والفكر، لتبقى الفصحى الحديثة اليوم لغة العلم والإعلام والخطاب الرسمي، بينما تتنوع اللهجات العامية وتثري الحياة اليومية.
واليوم، يواجه أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الغرب معضلةً معقدة تتمثل في طمس الهوية؛ فالاندماج السلس الذي يعيشه الطفل في مجتمعه الجديد سرعان ما يصطدم -مع بداية نضوجه ورحلة بحثه عن الذات- بفجوة ثقافية ونفسية واسعة بينه وبين والديه. هذا الاغتراب المزدوج، داخل الأسرة وداخل المجتمع، يخلق فراغاً وجدانياً حاداً قد يستغله أصحاب الهويات الأخرى لاستقطاب هؤلاء الشباب عبر تقديم “هوية بديلة” مضللة. وبدلاً من التقليد الأعمى، يجب أن يُصقل هذا الجيل ويُعَلَّم ليكون جيلًا قادرًا على التواصل الحضاري، يُذكّر العالم بأن العربية كانت يوماً لغة العلوم التي يتباهى بها علماء أوروبا.
ومثلما يُهدد غياب اللغة أبناءنا ويقطعهم عن حضارتهم، يجب التنويه بأن اللغة تواجه اليوم في عصر العولمة حرباً معقدة تتجلى في التغريب الثقافي لدى الإدارات المدرسية ومؤسسات التعليم العالي، لتصبح رهينة للغات الأجنبية كما هو الحاصل في المدارس والجامعات الدولية. فضلاً عن تهميشها في سوق العمل؛ إذ أصبحت قيمتها التنافسية في القطاعات الخاصة والتقنية والاقتصادية ضئيلة جداً مقارنة باللغات الأجنبية الأخرى التي تتيح فرصاً لزيادة الدخل المادي، وربما بالعملات الصعبة.
إن حماية الهوية العربية في بلاد المغترب لم تعد ترفاً، بل هي ضرورة لاستعادة الشخصية المتزنة للشباب، وتحويلهم من حالة الضياع إلى حلقة وصلٍ متحضرة تنشر ثقافة أصيلة بلغة العصر، فالأمة التي تترك لغتها تُعطي الحق لغيرها في أن يفكر ويحلم ويخطط بدلاً منها. والتمسك بالهوية إنما هو النهوض والارتقاء باللغة العربية من جديد، وأن نتحدث بها بطلاقة وفخر، ونورثها لأبنائنا، ونجعلها صوتاً حياً يعبر عن الأحلام ويسهم في بناء جيل المستقبل.