لا شك أن “كل مولود يولد على الفطرة” فقد غرز الله فيه هذه الجبلة؛ تؤهله استعدادا لقبول الحق طبعًا وطوعًا واختيارًا، غير أن بعض الطوائف الشاذة فسدت فطرتهم، وعميت بصائرهم، ومنها : طائفة “الدهرية”، وهم الذين أنكروا وجود الله، وزعموا أن الأشياء كانتْ بلا مكوِّن. كما يقول ابن الجوزي صاحب “تلبيس إبليس” (ص 41)، وصاحب الشهرستاني “الملل والنحل” (2/ 3).
وقد حكى الله عنهم قولتهم المنكرة، وهي قولهم : {مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية:٢٤]. وقد رد عليهم الحق تبارك وتعالى بقوله: {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية:٢٤]، أي أنهم لا يملكون دليلًا على زعمهم، ومن كان هذا شأنه فلا قيمة له في ميزان العلم والواقع، وكل قول ليس عليه أثارة من العقل أو من الشرع، أو من الفطرة فهو قول مرذول ومردود.
وقد عدَّ الإمام الرازي “فِرْعَوْن” – لعنه الله- مِنَ كبار هم –”الدَّهْرِيَّةِ”، فقد كَانَ من الْمُنْكرينَ والجاحدين لِوُجُود الصَّانِعِ تَعَالَى.
وقد سأل بعض “الدهرية” الفيلسوف اليوناني أرسطوطاليس : إذا كان لم يزل ولاشيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه؟ فقال له: “لم” غير جائزة عليه، لأن “لم” تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة له من معل فوقه، ولا علة فوقه، وليس بمركب فتحمل ذاته العلل، فلم عنه منتفية، فإنما فعل ما فعل، لأنه جواد. فقيل: فيجب أن يكون فاعلا لم يزل لأنه جواد لم يزل. قال: معنى “لم يزل” أن لا أول. وفعل يقتضي أولا. واجتماع مالا أول له, وذى أول في القول والذات محال متناقص، قيل له: فهل يبطل هذا العالم؟ قال: نعم. قيل: فإذا أبطله بطل الجود؟، قال: سيبطله ليصوغه الصيغة التي لا تحتمل الفساد, لأن هذه الصيغة تحتمل الفساد. تم كلامه.
قال الفيلسوف اليوناني أفلاطون لتلميذه أرسطو: ما الدليل على وحدانية الله تعالى؟ فقال: ليس شيء من خلقه بأدلّ عليه من شيء.
وسئل الفيلسوف اليوناني سقراط عن دلالة الصانع، فقال: دلّ الجسم على صانعه. فجمع بهذه اللفظة دلالة حدوث العالم، فإن صانعه حكيم.
ونظر أعرابي إلى الناس في يوم الجمعة فقال: صورة واحدة وخلق مختلف، ما هذا إلا صنع رب العالمين.
وقد تفنن العلماء المسلمون في الرد عليهم، مثل الإمام الأشعري، وابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم وغيرهم، غير أني وجدت الإمام جعفر الصادق والأئمة الأربعة قد سلكوا معهم سبلًا لطيفة، وطرقًًا ظريفة قد آتت أكلها كل حين.