ما الوطن؟ سؤالٌ يبدو في ظاهره بسيطًاً، حتى إذا أعدتَ النظرَ فيه أربكَكَ بعمقه، فبين خطابٍ يُذيب الإنسانَ في جغرافيتِه فيُلغي روحَه، وخطابٍ يَنزعه من جغرافيتِه فيُلغي جسدَه، وقفَ المسلمُ المعاصرُ حائراً يَبحثُ عن صيغةٍ ثالثةٍ لم تَنبثق بعدُ بصورتها الكاملة.
هذه الصيغةُ الثالثة هي ما تَطرحه نظريّةُ “الثابتِ الحاملِ والمتحرِّكِ المحمول” ، وحاصلُها في عبارةٍ واحدةٍ مُكثَّفة: “الوطنُ مُتحرِّكٌ زمانيٌّ يَتمركزُ حول ثابتٍ مكانيّ”.
فالأرضُ بحدودها وتُربتها وتَضاريسها هي الثابت، والناسُ بمعانيهم وانتماءاتهم وولاءاتهم المتجدِّدة جيلاً بعد جيلٍ هم المتحرِّك. الأرضُ تَهَبُ الناسَ مَرجعاً يَعودون إليه فلا يَتذرَّرون، والناسُ يَهَبون الأرضَ روحاً تَنبضُ فيها فلا تَتحجَّر. الأرضُ بدون ساكنيها رقعةٌ من الجغرافيا، والساكنون بدون أرضهم شَتاتٌ في الذاكرة؛ ولا يَلتئمُ الوطنُ إلّا حين يَتعانقان.
ومن هنا يُحَلُّ الإشكالُ من جذرِه: مَن قال إنّ الوطنَ مجرّدُ أرضٍ جَعَله جسداً بلا روح، ومَن قال إنّ الوطنَ مجرَّدُ شعورٍ جَعَله روحاً بلا جسد. والوطنُ — كالإنسان — لا يكون إلّا بهما معاً.
القوانين الأربعة
من هذه الصياغة تَنبثِقُ أربعةُ قوانينَ تَحكُم العلاقة:
* أوّلها: الوطنَ لا يقومُ بأحد طرفَيه منفرداً، بل بترابُطهما العضويّ.
* ثانيها: الأولويّةَ — حين يقعُ الخطر — للثابت المكانيّ؛ لأنّ الأرضَ إن بَقيتْ أمكنَ بناءُ كلِّ ما فُقد، وإن ضاعتْ ضاع كلُّ شيءٍ بالتدريج.
* ثالثها: الثابتَ والمتحرِّكَ يَتغاذيان؛ فالأرضُ تَهَبُ رسوخاً، والناسُ يَهَبون معنًى.
* رابعها: أنّ الكثافةَ الحضاريّةَ — تراكُمَ الزمن المعنويّ على الأرض — تُحوِّلُ الوطنَ إلى جسدٍ يتشابكُ بأهلِه تَشابُكاً لا يَفُكُّه احتلالٌ مهما طال.
شاهد من التاريخ
وها هنا تَنكشفُ عن مأساة الأندلس: حين فُقدَ الثابتُ، ضاع المتحرِّكُ بعده بقرنَين، فلم يَبقَ من إسلامها إلّا ذكرى.
أين الدِّين؟
لكنّ السؤالَ الأعصى يبقى: أين الدِّينُ من هذا كلِّه؟
هنا يَنفضُّ الاشتباكُ الذي طال أَمَدُه: الدِّينُ والوطنُ لا يَتنازعان، إنّما يَتكامَلان. فالدِّينُ يَعمل في طبقة المتحرِّك الزمانيّ، يُغذِّي المعاني والولاءاتِ والقيم؛ والوطنُ يَعمل بوصفه الحاضنةَ المكانيّةَ للدِّين، يَحفظُ له شرطَ ممارسته الجمعيّة. الدِّينُ يحتاجُ الوطنَ ليُمارَس، والوطنُ يحتاجُ الدِّينَ ليَمتلئَ بالمعنى، ومن أرادَ فصلَهما تامّاً أساءَ إلى كلَيهما، ومن أرادَ دَمجَهما تامّاً ألغى أحدَهما بالآخر.
ومنه تَنبثِقُ القاعدةُ الكبرى:
الدِّينُ يُحفَظُ من خلال الوطن، ولا قيامَ لمنظومةٍ دينيّةٍ جمعيّةٍ بدون حاضنةٍ مكانيّة، فالمقاصدُ الشرعيّةُ الكبرى — حفظُ النفس والعقل والنسل والمال والدِّين ذاته — لا تتحقّقُ في الفراغ، بل في رقعةٍ آمنةٍ ذاتِ مؤسّسات. ومن دون الوطن تَتعطّلُ المقاصدُ جميعاً، فيتعطّلُ الدِّينُ تَبَعاً.
ومن هنا يُفهَمُ سرُّ بَذلِ الدماء لحفظ الوطن: فحين يَبلُغُ التهديدُ حدَّه الوجوديّ، تُؤخَذُ الرُّخَصُ في الدِّين، وتُسالُ الدماءُ على ثَرى الأرض؛ ليس لأنّ الوطنَ أعلى من الدِّين، بل لأنّه شَرطُ إمكان الدِّين في صورته الجمعيّة. ومن دافعَ عن أرضه فقد دافع عن دِينه في عمق الحقيقة لا في ظاهرها، والقاعدةُ الفقهيّةُ صريحة: ما لا يَتمُّ الواجبُ إلّا به فهو واجب.
هكذا يُحرَّرُ العقلُ المسلمُ المعاصر من ثنائيّةٍ زائفةٍ طالما لُقِّنَها الوعي التراكمي والموروث الخاطئ ، سنجد في حضارتنا أن تُحبَّ أرضَك ليس نقيضاً لأن تُحبَّ ربَّك، بل هو من تَمام محبّتك لما خَلَقَ ربُّكَ لك لتَكون حاضنةَ إيمانك.
عَتَبَةٌ بين رايتَين
الوطنُ، في النهاية، ليس خِياراً بين رايتَين، بل عَتَبةٌ بينهما. هو الموضعُ الذي يَلمسُ فيه الإنسانُ الأرضَ بقَدمَيه ويَرفعُ فيه يدَيه إلى السماء. هو حيث تَلتقي جُذورُه وأجنحتُه. وحيث يكون الإنسانُ — لأوّل مرّةٍ ولآخرها — كاملاً محفوظا.